نجاح يوم الوفاء للحريري: <14 آذار> أمام تحديات المرحلة المقبلة!
المشهد الكبير لساحة الحرية في الذكرى الرابعة لاستشهاد بطل السيادة والاستقلال، ورائد الإنماء والإعمار، رفيق الحريري ورفاقه الأبرار، يستحق أكثر من وقفة متأنية لقراءة الرسائل السياسية التي أطلقها خطباء حركة 14 آذار من جهة، وللتمعّن في الرسالة الوطنية الكبيرة التي جسّدتها الحشود الجماهيرية، عبر تأكيد تمسكها بالثوابت الوطنية، والإصرار على التثبت بأهداف مسيرة السيادة وإعادة بناء الدولة القادرة والعادلة·
لقد كرّس هذا المشهد الوطني المؤثّر يوم الوفاء لشهيد الوطن الذي ضحّى بأغلى ما عنده من أجل بلده وشعبه، والذي تحوّل إلى رمز وطني كبير لكوكبة الشهداء الذين سقطوا في مسلسل الاغتيالات الغادرة التي أعقبت الجريمة الكبرى·
ويمكن القول إن يوم الوفاء لرفيق الحريري كان مناسبة لتجديد البيعة للزعيم الشاب سعد الحريري ورفاقه من قادة 14 آذار، عشية انطلاق أعمال المحكمة الدولية، وعلى مسافة أشهر معدودة من الانتخابات النيابية المفصلية، الأمر الذي يُحمّل هذه القيادات مسؤولية مضاعفة عن إدارة العمل الوطني في المرحلة المقبلة بما يتناسب والأخطار المحدقة بأهداف ثورة الأرز، وتفاقم حدة المعاناة المعيشية والاجتماعية التي ترزح على صدور الأكثرية الساحقة من اللبنانيين·
* * *
تميّزت كلمات خطباء يوم الوفاء بقدر عال من المسؤولية الوطنية، ومن الالتزام بقواعد التهدئة، والابتعاد عن لغة التجييش والتصعيد، وبما يتناسب مع نهج الرئيس الشهيد في مقاربة الملفات الداخلية والعربية، على قاعدة الحوار والانفتاح على الآخر، واعتماد الاعتدال والحكمة اسلوباً في التصدي للأزمات الشائكة·
لقد أكّد زعيم <تيار المستقبل> مرّة أخرى، استعداده لطي مرحلة الصراعات البغيضة، والمسامحة عن أحداث 7 أيار، واستمرار الحوار حول الملفات الخلافية، وقبل كل ذلك الالتزام بإجراء انتخابات هادئة وحضارية تراعي وتحترم قواعد تداول السلطة، بعيداً عن <بدعة> الثلث المعطل، التي تعطّل حالياً ليس فقط إنتاجية الحكومة بل انطلاقة العهد كله!·
وجدّد سعد الحريري الفصل بين الملفات الداخلية، وقيام المحكمة الدولية التي أصبحت أمراً واقعاً، على اعتبار أن لا مجال للتهاون في كشف الحقيقة وتقديم المجرمين إلى العدالة الدولية، بعيداً عن غرائز الثأر والانتقام·
ولم يكن رئيس اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط بعيداً عن أجواء خطاب الحريري، حيث شدّد على أن الحوار فوق كل اعتبار، مؤكداً على أن <لا أعداء لنا في الداخل>، وأن التوافق الوطني أهم من التوقف عند التهدئة التي لا يجوز استعمالها إلا مع العدو، من دون أن يعني ذلك تراجعاً أو تهاوناً بالثوابت الأساسية، مكرراً مرّة أخرى أن لا تسوية على المحكمة ولا على الاستراتيجية الدفاعية، ولا على مقررات الحوار، ولا على حصرية قرار الحرب والسلم مع الدولة·
وكذلك كانت كلمات بقية خطباء الذكرى الرابعة من الرئيس أمين الجميل إلى باسم السبع إلى سمير جعجع إلى دوري شمعون، الذين تركوا الأبواب مفتوحة أمام سياسة الاعتدال والحوار، وتجنبوا الحملات الحادة ضد النظام السوري، وذلك للمرة الأولى منذ أربع سنوات·
فهل يُلاقي فريق 8 آذار قادة 14 آذار على خط الاعتدال والحوار الوطني المسؤول؟·
* * *
لقد أثبتت الحشود الجماهيرية التي زحفت إلى ساحة الحرية يوم السبت الماضي من كل حدب وصوب، أن الأكثرية الساحقة من اللبنانيين الطامحة إلى بناء دولة عصرية ومتماسكة وقوية، لم تتعب على دروب المعاناة الطويلة من أجل تحقيق هذا الهدف الوطني الاستراتيجي الذي يُعيد ثقة الأجيال الصاعدة بالبلد كوطن نهائي يستحق التضحية، وتحلو فيه الحياة بكرامة واستقرار·
المصارحة الحقيقية تقضينا القول إن جماهير 14 آذار سبقت قياداتها في مواقف كثيرة، وفي مناسبات عديدة، أهمها على الاطلاق التظاهرة المليونية الأولى يوم 14 آذار عام 2005 التي أطلقت العنان لثورة الأرز داخلياً وإقليمياً ودولياً، ودفعت العالم الحر إلى الوقوف لجانب اللبنانيين المنادين بالحرية والسيادة والاستقلال·
ولا بدّ من الاعتراف بأن قيادات 14 آذار لم تحقق كل الآمال التي علّقها عليها اللبنانيون، خاصة في إطار تعزيز التلاحم الوطني عبر برنامج سياسي واضح المنطلقات والأهداف، ويكون قادراً على تجاوز مقسمات النظام الطائفي البغيض، واستكمال تطبيق ما تم إهماله عمداً من بنود اتفاق الطائف، وفي المقدمة إلغاء الطائفية السياسية·
ولكن من الظلم بمكان تسجيل مثل هذا التقصير على قيادات 14 آذار، من دون الأخذ بعين الاعتبار العوامل الخارجية وامتداداتها الداخلية التي أدّت الى تعطيل مسيرة الأكثرية في الحكم، وإلى فرملة الحياة الاقتصادية في البلاد، فضلاً عن افتعال الأزمات الداخلية والمواجهات الشارعية والتي بلغت ذروتها يوم 7 أيار في بيروت ويومي 8 و9 منه في الجبل·
وهنا تجدر الإشارة إلى إنجازات بارزة استطاعت حركة 14 آذار تحقيقها رغم كل الظروف الصعبة والمعقدة التي أفرزتها الصراعات الإقليمية والمحلية على الساحة الداخلية، وذلك بدءاً من نجاح انعقاد مؤتمر باريس – 3، رغم اشتعال المواجهات في شوارع بيروت وتعطيل حركة المطار، وتحصيل أكبر دعم اقتصادي ومالي دولي للبنان· الإصرار على قيام المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد ورفاقه رغم كل الاغتيالات التي تلاحقت، ورغم كل الضغوطات التي مورست من أكثر من جهة داخلية وإقليمية· إقامة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، وذلك للمرة الأولى في تاريخ استقلال البلدين الجارين· إزالة آثار حرب تموز 2006 عبر الحصول على المساعدات اللازمة من الأصدقاء والأشقاء، خاصة المملكة العربية السعودية· وأد الفتنة الداخلية التي أطلت برأسها أكثر من مرة منذ الاعتصام في قلب العاصمة ومحاصرة السراي الحكومي حتى اندلاع أحداث أيار الأسود في بيروت والجبل· تمرير الاستحقاق الرئاسي، ولو متأخراً بسبب العوامل الداخلية والإقليمية إياها، وانتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً توافقياً· يضاف إلى كل ذلك طبعاً النجاح في حماية النقد الوطني من تداعيات حرب تموز والأزمات الداخلية، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية·
* * *
تعداد إنجازات قيادات 14 آذار رغم الظروف الصعبة، لا يعفينا من الوقوف إلى جانب جماهيرها المطالبة بتقييم أداء هذه التجربة الفريدة في التاريخ السياسي اللبناني، والعمل جدياً على سد الثغرات، والاستعداد لخوض الانتخابات النيابية بمزيد من التفاهم والتلاحم بين أطراف <14 آذار>·
من حق الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، والتي زحفت نخُبها وطلائعها الشعبية إلى ساحة الحرية في يوم الوفاء لرفيق الحريري أن تطالب قياداتها بالبرنامج السياسي الواحد، وأن تشدّد على ضرورة توحيد اللوائح الانتخابية في مختلف المناطق بعيداً عن الحزازات الشخصية والعنعنات الحزبية الضيقة، وأن تلحّ على أهمية طرح برنامج للإصلاح الاقتصادي والنهوض الإنمائي، يتجاوز الأزمات المزمنة، وحالة العجز المستفحلة في خزينة الدولة وإدارتها الحيوية الأخرى·
من حق الأكثرية الساحقة من اللبنانيين السؤال عن السبُل التي ستتبعها الأغلبية البرلمانية الجديدة لتأمين العلاج ولقمة العيش والتعليم المجاني والنقل الرخيص وفرص العمل المناسبة للشباب، رغم أن معظمها ورد في بعض خطابات 14 شباط، وخاصة خطابي الرئيس أمين الجميل والنائب سعد الحريري·
* * *
ثمة إنجازات مهمة تحقّقت رغم كل الصعوبات والتحديات، ولكن من حق الناس أن تُطالب بالمزيد، وخاصة في ما يتعلق بتأمين الضرورات الملحة لليوم، والعمل على مستوى الآمال للغد·
إنها تحديات المرحلة المقبلة لقوى 14 آذار!·