البرزخ مجدّداً
ليست اعتداءات فرديّة ولا إشكالات موضعية. إنّها قرار بإبقاء لبنان في برزخ بين العودة إلى الاضطراب والفوضى الأهلية، وبين الدخول في زمن الدولة والاستقرار، انتظارا لما سترسو عليه المنطقة.
صحيح أنّ ما تعرّض له جمهور 14 آذار هو نمط حياة في السياسة والاجتماع والاقتصاد ينهجه المعتدون ومفاده أن لا بديل مما لا نريده سوى القضاء عليه، فكرة أو مشروعاً وحتى بشراً. لكن الصواب أن ما يحدث، في السياسة وعلى الأرض، من ربط مصير الموازنة بإقرار تمويل انتخابات سياسيّي "مجلس الجنوب"، إلى الاعتداء على المواطنين تحت أنف القوى الأمنية والعسكرية، ليس سوى محاولة لربط نزاع مع الخصم السياسي تتحدّد وجهته بما يؤول إليه الوضع في المنطقة: يبقى خلافاً إذا رانت التسوية بين الحلف الإيراني – السوري والمجتمع الدولي، ويتطوّر إلى فوضى داخلية إذا ارتأت القوى الاقليمية المعنية تنفيس احتقان المنطقة في لبنان على ما حدث في سبعينات القرن الماضي (ألم يقل مرشد الثورة الإيرانية انه سينازل أميركا في "الساحة اللبنانية"؟).
ما أصاب لطفي زين الدين نموذج. جاء إلى ساحة الشهداء لإيمانه بحقه الديموقراطي في التعبير عن رأيه وموقفه. مسح بحضوره، كما الآخرون، مفاعيل 7 ايار الشهير. أسقط الترهيب الذي أرادوا أن يفرضوه على الوطن من بيروت إلى الشمال والبقاع والجبل، بعدما خيّل إليهم انّه مستقر في الجنوب.
هالهم ألا تنفع أساليبهم الشمولية والعالمثالثية في تخويف مئات الآلاف من اللبنانيين الذين غطّوا ساحة الحرية. اكتشفوا أنّ نهج ما قبل الطائف الذي استعادوه يوم الغزوة الشهيرة لم يستدرج الآخر، كما كانوا يأملون، ولم تستدع القوة المعتدية قوة مدافعة، ولم يستسق الدم الدم.
قبل ذلك بسنوات معدودات، كان 8 آذار، ولولاه لما انفجرت إرادة 14 آذار. ولولا وقاحة الجماعة الأولى في إعلان التبعية لمَا كانت جرأة الثانية في التشديد على الحرية والاستقلال. ولولا ادعاء الخبرة بـ"الزوم إن" و"الزوم آوت"، والتشكيك بإرادة اللبنانيين قيامة الدولة والوطن، لما سدّت ساحة الشهداء، وكل شرايين لبنان وبيروت، بالحشود الآتية إليها، والمكتظة فيها، ذلك اليوم من عام 2005.
هذا واقع سجّله التاريخ، كما سجّل انّ جماعة "شكراً سوريا" لم يقصّروا مذ ذاك في السعي إلى إجهاض انتفاضة الأرز: من اعتكاف وزرائهم إلى استقالتهم، ومن إضراب مسلّح وقهري سُمّيَ سلمياً، إلى اعتداءات على أحياء ومواطنين، ومن شلّ وسط المدينة والاعتداء على أملاك عامّة وخاصّة، إلى انقلاب فاشل على السلم الأهلي في السابع من أيار العام الفائت.
كل ذلك كان لـ"تأديب" "14 آذار" حسب وصف أحد صناجات "8 آذار". ولربما لا يجافي الحقيقة القول ان حرص "أبطال" أيار على أن يكون الصمت على "الغزوة" المذكورة أبرز عناوين التهدئة السياسية التي أقرّت في الدوحة، هو لإبقاء مفاعيل الترهيب قائمة في نفوس جماهير الاستقلال والحرية، إلى أن يأتي يوم الانتخابات التشريعية، فيتهيّبون الاقتراع، ويخلون الصناديق لخصوم السيادة والديموقراطية.
ما جرى السبت كان إلغاء لكل مفاعيل 7 أيار، من دون أن تبنى الدعوة إلى المشاركة على قاعدة الردّ على ذلك اليوم المشؤوم. فلقد أثبتت قوى الاستقلال والحرّية في الشعب اللبناني مجدّداً انها لا تحتاج إلى مَن يدلّها على الطريق إلى الدولة والمواطنية، وأن موقفها فعل وليس ردّ فعل، وأن ثقافة رفض الآخر وإخضاعه بالقوّة والإرهاب لا يمكن أن تغيّر في توجّهها، أو تبدّل في مواقفها.
لم تقل قيادات 14 آذار لجمهورها أن عليها أن تردّ على 7 أيار بالنزول إلى وسط العاصمة، لكن كل لبناني جاء من جهات الوطن الأربع إلى ساحة الشهداء أراد أن يقترع بقدميه وصوته للحرية والمواطنة والدولة.
الأخيرة، هي ما لا يريده "جنجويد" لبنان الذين انتشروا تحت أنف القوى الأمنية والعسكرية، في كل مسارب ساحة الشهداء إلى محيطها، ليعتدوا على مَن فاجأهم بإسقاط الخوف منهم. لم يكن ذلك مصادفة، ولم يكن مبادرة فردية. ذلك ليس استنتاجاً، بل واقع يعرفه من يؤول إليهم هؤلاء، وأقر به الأمين العام لـ"حزب الله" في خطابه أمس، حين أشار الى أن "القواعد الشعبية تصغي الى القيادات السياسية". وهذا أمر تعرفه أيضاً الاجهزة الأمنية والعسكرية، وفضحته أعداد متصيدي المواطنين الآمنين، وتوزع كمائنهم.
بعد السابع من أيار 2008، كان مؤتمر الدوحة لتثبيت "النتائج". لكن الترهيب لم يفعل فعله في جمهور 14 آذار بدليل حشود ساحة الحرية.
بعد 14 شباط 2009، لم يكتف الأمين العام مساء أمس بالدعوة الى التهدئة، بل ابتعد بها الى الاعتذار من أهل لطفي زين الدين عائلة وبلدة وحزبا، والى إدانة الفاعلين.
هذا أيضا يجب ألا يثبت "نتائج" الترهيب، بل وقائع ساحة الشهداء، لتترجم إرادة 14 آذار في السابع من حزيران، والذين اقترعوا بمشاركتهم في ساحة الشهداء مدعوون للاقتراع بأصواتهم في صناديق الانتخاب.