#adsense

الحكمة والتهدئة.. ولكن من يحمي المواطنين العزّل؟

حجم الخط

الحكمة والتهدئة.. ولكن من يحمي المواطنين العزّل؟!

لا ينفع مع الفتنة التي تصرّ على الاطلال برأسها إلا وأدها. وإن أصرت على بعث فحيحها سمّاً في الجسد اللبناني، الذي إن تعلّم شيئاً من سنين الحرب، فقد تعلّم كيف يقاوم سريان السمّ ومحاصرته بترياق التمسك بلبنان دولة ، ومؤسسات، وجيشاً، وبكلمات ثلاث لها مفعول السحر على الذات اللبنانية: "حرية، سيادة، إستقلال"..

على الاقل هذا ما أكده جمهور 14 آذار الحاشد، الذي كان يعرف ما ينتظره وهو عائد من ساحة الحرية، لا يصدّقن أحد أن جمهور ساحة الحرية كان جاهلاً ما ينتظره، فقد سبق وخبر طريق العودة في العام الماضي، إلا أن إصراره على النزول إلى ساحة الحرية، لم يكن أبداً حال "عماء" تلبية لدعوات قيادات 14 آذار، الذين تفاجأوا بحجم الحشود. الفرق بيننا وبينهم، أننا نثق بأحقية مطالبتهم بمبادىء لبنان السيد الحر المستقل، وإصرارنا على إخراج لبنان من كابوس القتل المستمر منذ قيام لبنان بسبب الاختلاف في الرأي السياسي، فيما نشعر نحن أنهم كلما بدوا سعداء من شدة تفاجئهم بحشود اللبنانيين، فإنهم لا يثقون بعزيمتنا وإصرارنا على إكمال ما بدأناه في 14 شباط العام 2005، وبحرصنا على أن لا تهزّ هذا الموقف كل الغزوات التي تعرضنا لها أعواماً تلو أعوام في بيروت تحديداً ومنذ العام1985..

وجمهور ساحة الحرية نزل وفاءً للرئيس الشهيد رفيق الحريري ووفاءً لكل شهداء لبنان الذين سقطوا على طريق الاستقلال الثاني، ووفاءً لدماء الشهداء الاحياء المغيّبين حتى عن منصة الاحتفال على رغم دمائهم المراقة على طريق السيادة والاستقلال، والسبب الثاني الذي حمل اللبنانيين على النزول إلى ساحة الحرية وهو جوهري في بنية هذا الجمهور الذي توهّم البعض أنه عاد ليدخل زمن الخوف وعاد إلى قوقعة الصمت!! والمدهش أن النظر بشكل عابر إلى ردّة فعل هذا الجمهور يوم 14 شباط 2005 والايام التي تلته، وردّة فعله ثانية وسريعاً على يوم 8 آذار 2005، بمشهد 14 آذار 2005. تفكير بسيط بردة الفعل هذه كانت كافية ليدركوا أن الخوف لم يعد له مكان في هذه القلوب..

لم يكن رداً على 7 أيار، البعض حتى الآن يجهلون كيف يفكر اللبنانيون؟! كان رداً على محاولة فرض الخوف بالترهيب، أما الرد الفعلي على 7 أيار فسيكون شبيهاً بحال الإصرار التي كانت واضحة في انتخابات العام 2005، وربما هذه المرة بعزيمة أكبر وإصرار أكثر بعدما سقطت كل الاقنعة خلال السنوات الاربع الماضية، وهذه المرة يدرك هذا الجمهور أن على عاتقه تقع مسؤولية معركة الوصول إلى برلمان يؤمن بلبنان سيداً حراً مستقلاً، وبلبنان أولاً..

كثيرون من هذا الجمهور كانوا واثقين من أنهم لن يتركوهم يصلون بسلام إلى الساحة أو أن يعودوا بسلام على رغم مظهرهم الذي يدل على أنهم جمهور عائلات لبنانية ، نزلت فيها الام والاب والابناء والاولاد والجد والجدة والجار والجارة وأبناء العمومة والخؤولة.. لم يكن جمهوراً محشوداً ليكون مجرد رقم للعد والاحصاء..

كثيرون من هذا الجمهور كانوا مدركين بعد ما شهدوه من غضّ نظر الجيش الذي فقد الكثير من ثقة جمهور واسع من اللبنانيين يفترض أنهم مؤيدوه وداعموه وناثرو الارز على رأسه بعد انتصار نهر البارد، فيما هو أصلاً في موقع التهمة عند جمهور آخر ولا احترام له ولا لهيبته ولا لبزته حتى، ولا لطوافاته، ولا لضباطه وطياريه!!

منذ شاهد هذا الجمهور الجيش يقف متفرجاً وأحياناً متواطئاً في 7 أيار، فقدوا الثقة به، إلا أنهم لم يخرجوا عن قناعتهم بأن التطبيق السيىء لا يلغي المبدأ الصحيح، لذا نجدهم مازالوا متمسكين بمشروع الدولة، وبالجيش والقوى الامنية حامياً لهم، حتى وإن وقفت تتفرج، ولم تتنبه أن واجبها الاول منع الاعتداء، لا تركه يحدث ثم للملمة المضاعفات تقوم بمطاردة المعتدين والقتلة بعدما وقفت تتفرج عليهم بعدما ارتكبوا ما ارتكبوه.. فهل يجهل الجيش مثلاً المناطق الحساسة في بيروت حتى يمنع المتربصين أهل العصي والجنازير من نصب الكمائن، وعندما يكون عددهم يتجاوز الخمسين نتساءل: ألم يكن بالإمكان مشاهدتهم؟ ثم ألا تكفي العصي مثلاً لكشف نيات هؤلاء؟!!

وهل كان من الضروري أن يسقط شهيد طعناً بالسكاكين عل بعد مئات الامتار فقط من نقطة تمركز ضخمة وثابتة للجيش في منطقة رأس النبع مثلاً؟ وإلى متى سيبقى الجيش اللبناني عاجزاً مثلا عن تأمين نفق طريق المطار للبنانيين بوضع نقاط ثابتة عند مستديرة السفارة الكويتية أم أن هذه المنطقة محظور عليه دخولها؟!! والادهى من كل "ذاكرة الخطف" في مطلع الحرب اللبنانية، فمن يخطف مواطناً لبنانياً على طريق المطار؟ ومن يخطف مواطناً في النبطية من مكان عمله ولا يجرؤ أحد على رفع الصوت للسؤال عنه؟ ومن أين يأتي جيش الدراجات النارية التي باتت تقطع الطرقات وتقوم بعمليات سلب على الأوتوسترادات؟ هذه ليست دولة التي يعجز فيها الجيش عن كشف مصير مواطن مخطوف، هذه دويلة، وسوانا بنى دولة حقيقية بكل أجهزتها الأمنية والتي يخشى الجيش الاقتراب من حماها!!

نعم، نحن مع العض على الجرح، ونحن مع كلام وليد جنبلاط وسعد الحريري درءاً للفتنة، إلا أننا لسنا أبداً مع هذا المسلسل المستمر من التراخي واللامبالاة الامنية من الجيش والقوى الامنية، التي من المفترض أنها تقبض رواتبها من رواتب هذا الجمهور المسالم الذي يدفع من دمه ثمن قيام الدولة اللبنانية، رسوماً وفواتير ماء وكهرباء وهاتف وضرائب، ويذهب معظمها لمصلحة الرواتب الضخمة للجيش الذي لم يجده اللبنانيون عندما احتاجوه لحمايتهم!!

ستكون مشكلة كبيرة إن استمرت الأمور على هذا المنوال، الانتقادات بات صوتها عالياً ويجب أن تصل إلى مسمع الجيش، وقائده، وقائده الاعلى أيضاً ، لانه عايش مرارة ما شعر به اللبنانيون يوم 7 أيار، فلماذا يسمح بمحاولة إعادة شبح التجربة.. نحن مع التهدئة نعم، ومع الحكمة نعم، ولكن مع محاسبة الذين رأوا وتجاهلوا، والذين سمعوا استغاثات الناس وطنشوا، والذين شاهدوا دماء العزّل تسيل فأغمضوا أعينهم..

لا بدّ من أن نذكّر بالعام 1975 وتجربة انقسام الجيش المُرّة التي يرهبها اللبنانيون دائماً، الجيش انقسم لأنه عجز عن حماية الشعب اللبناني، ولانه وقف يتفرج على الميليشيات الفلسطينية تتفرعن على اللبنانيين بحجة تحرير فلسطين، هذه هي الحقيقة. كان الجيش عاجزاً، وعندما أطلقت عليه الميليشيات الفلسطينية النار انكسرت هيبته وانتهى أمره، وها هو يكرّر التجربة، ومنذ أطلقت عليه النار في شياح الكهرباء "المقطوعة – المضاءة"، فهم الجيش الدرس، وانفتحت ثغرة في جدار السؤال: من يحمي الذين يرفضون اللجوء إلى السلاح لصالح الحرب؟ وإلى متى سيبقى جمهور مسالم يمارس الحكمة والتهدئة، والمسؤولون عن الامن الذين من المفروض أن واجبهم حمايتنا وجدناهم يتفرجون على أبنائنا وهم يجلدون بالجنازير؟!

إطرحوا السؤال على أنفسكم: كم مرة بعد سيستطيع القادة تهدئة قاعدة يُعتدى عليها وعلى مرأى من القوى الامنية، وهل يليق بجيش هزم الارهاب في نهر البارد أن تردد شريحة كبيرة من اللبنانيين هي حصنه والمتمسكة به "الجيش؟! لا تندهي ما في حدا.. كانوا عم يتفرجوا"!!

المصدر:
الشراع

خبر عاجل