النقاش يعود من جديد حول دور الجيش في حفظ الأمن بعد أحداث السبت الماضي
استياء بيروتي من التغاضي عن تعديات الميليشيات ومطالبة بمعاملة الجميع بالمثل
من جديد، يعود النقاش محتدماً بين أبناء العاصمة بيروت، حول دور الجيش اللبناني في الحفاظ على أمن اللبنانيين وممتلكاتهم، بعد حوادث التعدي والاستفزازات واسعة النطاق، التي ارتكبتها ميليشيات المخابرات السورية ضد المشاركين الآمنين في إحياء ذكرى ارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في ساحة الحرية وسط بيروت.
فلا يخلو مجلس عائلي أو مناسبة اجتماعية أو حتى لقاء ثنائي أو عام، من السؤال عن دور قوى الجيش التي كانت تتولى تأمين الأمن على مداخل العاصمة أثناء الاحتفال، في التدخل القوي والفاعل لمنع هذه التعديات، والتصدي الحازم لعناصر هذه الميليشيات المأجورة، لمنعهم من التمادي في ضرب الناس والحد قدر المستطاع مما حصل.
وتكاد الأسئلة والتأفف مما حدث من مهانة واستفزاز وأضرار جسدية ومعنوية يصل إلى حدود يتعدى الإحباط، إلى قطع الأمل نهائياً بالرهان من جديد على دور ضامن ومتوازن للجيش في الحفاظ على أمن الناس، بالرغم من الإيمان المطلق للبيارتة عموماً بمشروع الدولة، ورفضهم الانجرار إلى الفتن المذهبية وغير المذهبية التي تدق أبوابهم ليل نهار ولا تجد آذاناً صاغية من قبلهم.
وتستند هذه الشكوى إلى وقائع ملموسة يرويها الناس جرت أمام أعينهم عصر السبت الماضي، وكان التعدي فيها يحصل علناً من قبل العناصر الميليشيوية كما أبلغني أحد الأصدقاء الموثوقين، أمام قوة من الجيش كانت تنتشر في منطقة كركول الدروز وعلى مرأى من سكان المنطقة، وكانت عناصر الشغب الميليشيوية تتحرك بحرية في التعدي على الناس، ولم تبادر هذه القوة إلى ملاحقتهم أو منعهم، استناداً إلى المهمة المنوطة بالجيش، مما شجع هذه العناصر على توسيع رقعة تعدياتها إلى مناطق أخرى وحصل ما حصل من تدهور كبير. لم يكن مصدر الشكوى هذا التغاضي الفاضح لقوى الجيش المنتشرة في مناطق سلوك المغادرين للاحتفال، بل تمدد هذه الشكوى إلى مناطق رأس النبع والشوارع المتفرعة، في حين شكى مواطنون من أنهم تعرضوا لمضايقات عديدة ورشق بالحجارة أثناء نزولهم صباحاً للمشاركة في هذه الذكرى، والسؤال الذي بقي يتردد على الألسنة: لماذا يتعاطى الجيش مع اللبنانيين هكذا بمكيالين وليس بمكيال واحد، كما حصل مؤخراً، ولماذا لم يتدخل ضد المشاغبين والمسلحين؟.
في عدوان السابع من أيار الماضي على مدينة بيروت، ترك أداء الجيش اللبناني استياء بالغاً وإحباطاً قل مثيله لدى أبناء بيروت عموماً، عندما تخلى الجيش عن مهمته في الحفاظ على الأمن، كما طمأن قادته اللبنانيين أكثر من مرّة في خطبهم ومواقفهم، لا بل جرت الاعتداءات على المواطنين وممتلكاتهم والمؤسسات الاعلامية والصحية والتربوية، بغض نظر فاضح من قبل بعض الضباط المعروفي الانتماء والميول.
وأتى بعد ذلك انتخاب رئيس الجمهورية ميشال سليمان رئيساً للجمهورية وعُين قائد الجيش الجديد في منصبه وجرت التشكيلات العسكرية، وكان يأمل المواطنون أن يتم تجاوز جميع الثغرات التي رافقت أداء الجيش في تحمل مسؤولياته طوال المرحلة السابقة.
وما كادت جروح السابع من أيار تبرد قليلاً، بفعل مناشدات القيادات السياسية للعاصمة ودعوتها أهل العاصمة للثقة بالجيش اللبناني ومؤسسات الدولة اللبنانية، حتى عاد التساؤل من جديد عن جدوى الرهان على الجيش اللبناني في أوساط أبناء بيروت، بعد تكرار ما حصل أكثر من مرّة، بالإضافة إلى التغاضي عن انتشار المكاتب المسلحة لتنظيمات وأحزاب مرتبطة بالمخابرات السورية في أحياء عديدة من العاصمة، ولم يتخذ الجيش والقوى الأمنية أي إجراءات لإغلاقها، استناداً إلى البند الأمني الذي نص عليه اتفاق الدوحة، بالرغم من مرور أكثر من ثمانية أشهر على صدوره.
لن يتوقف النقاش بين البيارتة، كما سائر اللبنانيين حول مدى الوثوق في دور الجيش اللبناني، في تحمل مسؤوليات حفظ الأمن وحماية اللبنانيين والوطن، إذا بقي التعاطي مع اللبنانيين، يرتكز إلى سابقة السابع من أيار الخطيرة، وسابقة 14 شباط، ولا بد للقائمين على المؤسسة العسكرية إجراء تقييم موضوعي لهذا الأداء، يستند الى مبدأ التعاطي بالمثل وعلى مسافة واحدة من كل الأطراف السياسيين، من دون الانحياز إلى طرف أو جهة مهما كانت، لأجل تجاوز كل سلبيات المرحلة الماضية، وإعادة ثقة الناس بالجيش كمؤسسة وحيدة لكل اللبنانيين والضامنة لمنع تكرار الفتن والحروب الأهلية التي مرّت على لبنان.
فملاحقة المعتدين وإلقاء القبض عليهم بأسرع وقت ممكن، وعدم التغاضي عن تجاوزات المرتكبين أياً كانوا، والوقوف على مسافة واحدة من الجميع، ضرورية لإعادة ترسيخ الثقة بالجيش كمؤسسة، ولتعبيد الطريق أمام إجراء الانتخابات النيابية المقبلة، في أجواء مطمئنة للبيارتة واللبنانيين عموماً.