الانتقام
فعَلها وليد جنبلاط من جديد يا اخوان. ومثله سعد الحريري وقربهما وامامهما ومعهما جمهور 14 آذار. وتبيَّن للمرة الرابعة او الخامسة، انه صار لمفهوم الانتقام معنى آخر غير ذلك المرتبط بالدم، وغير ذلك الشائع منذ الازل في الشرق عموماً والناحية العربية منه خصوصاً.
صار الانتقام مرادفاً وشرطاً لا بد منه لنفي الدم وإعلاء شأن كل نقيض له. وتعزيز المناحي المشكّلة للعيش والمدنية، والتقدم العلمي، والرخاء الثقافي ونظيره الاقتصادي، واحترام فرائض الاجتماع الحديث والتطلع نحو القانون والسلطة الجامعة حتى لو كانا على هذا القدر من الالتباس عندنا.
.. فعلها وضبط الميزان والاداء الداخلي. وفي ذلك انتصار له في معركة هي اصعب على الدوام من معارك الغير ضده، وأصعب من مواجهة المتربصين به، والناطرين لحظة تصفية الحساب معه ومع أهله وجمهوره دفعة واحدة. كبت انفلات مشاعر أناس يتراكم عندهم شيئاً فشيئاً الشعور بالظلم اللاحق بهم منذ ما قبل 7 أيار الماضي، بل ما قبل 14 شباط 2005، ويتراكم عندهم شيئاً فشيئاً الإحساس بـ"الاضطهاد"، وبغياب "التكافؤ" في كل مواجهة تمت حتى الآن… ورغم ذلك تمكّن من ضبط الايقاع واشتغل "سياسة" هو من اساطينها تحت سقف معرفته التامة كم هو مستهدف، ومعرفته التامة بحجم المخاطر المحدقة به وبأهله.
.. وجنبلاط الذي عطّل اكثر من فخّ لاستدراجه الى مقتلة درزية ـ درزية اولاً، ودرزية ـ شيعية ثانياً، يعرف مثله مثل سعد الحريري وجمهور 14 آذار في الاجمال، ان الحراك السياسي السلمي الديموقراطي هو في نهاية المطاف ردٌّ يُغيظ ناصبي الأفخاخ اياهم اكثر بكثير من ملاقاة النار بالنار والدم بالدم، وبذلك نشهد ذلك التزاوج الخلاّق بين إكمال المشروع السياسي والانتقام من "المعتدين" بطريقة غير مألوفة.
وضرورات العدل، واحكام الضمير تفرض القول، ان رفيق الحريري كان سيداً من اسياد هذه الممارسة، وان سعد الحريري هو الابن العضوي والشرعي والسياسي لتلك المدرسة ـ المؤسسة التي يكثر روادها وتلاميذها يوماً بعد يوم و14 شباط تلوَ 14 شباط:
تَردُّ على من يريد نفيك بتأكيد حضورك، وعلى من يريد قتلك بإعلاء شأن ثقافة الحياة عندك وتدعيم متطلبات الحماية، وعلى من يريد الغاءك بتأكيد سيطرتك على مفاصل التمثيل النيابي والإمساك بالقرار في كل لحظة، وعلى من يريد جّرّك الى فخ الاحتراب الاهلي باشاعة خطاب الحوار والانفتاح، وعلى من يريد ان يخاطبك بالشتم بلغة التجاهل حيناً وثقافة الأدب والأخلاق الحميدة في كل حين، وعلى من يريد تعطيل العقل بتأكيد ثوابت الحكمة، وعلى من يريد فرض شروطه عليك بالتمسك بسلوكياتك السياسية وشعاراتك وفحوى نضالك، وعلى من يريد مصادرة مستقبلك بالعمل لحاضرك ولذلك المستقبل، وعلى من يريد تعميم ثقافة الحقد بإشاعة ثقافة التسامح، وعلى من يريد تعميم الجهل بإباحة التعليم ورفد طلابه بما يعينهم عليه، وعلى من يريد مصادرة تاريخك ونعتك بمفردات الخيانة بتأكيد سلوكياتك الأهلية الموروثة والممَارسة أباً عن جدّ حيال الدخيل والاستعمار والقضية العربية المركزية… وعلى من يريد الانتقام منك ومن بلدك ومن مواقفك السياسية متوسلاً التخريب والتحريض والتفتيت بإشاعة مناخ نفي الفتنة ووأد أفاعيها.
ليست مهمة سهلة.. لكن التجربة رغم آلامها ومرارتها ودمويتها، نجحت حتى الآن.
وبعد من قال، ان رفيق الحريري ومدرسته غابا في العتم. انهما تحت الضوء في كل يوم، وكل ساعة، وكل دقيقة، ومع كل شهيد، وكل كلمة تناغي الحكمة وتنطق بالحق، ومن لا يصدّق فليستمع الى وليد جنبلاط وسعد الحريري.