#adsense

عن الدولة الافتراضية

حجم الخط

عن الدولة الافتراضية !

مرة جديدة وعند مفترقات بالغة الخطورة تقف الدولة أمام امتحان جديد هو معالجة المضاعفات الامنية للاعتداءات السافرة التي تعرض لها مشاركون في الذكرى الحاشدة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري يوم 14 شباط.
ولكن أين هي الدولة؟ ومما تتألف؟ وكيف تتصرف في ظل انقسام اللبنانيين جذريا حول مفهوم الدولة وهويتها ودورها وموقعها واصطفافها المحلي والاقليمي والدولي؟

بالمعنى الواقعي والموضوعي ليست هناك دولة. وليست هناك عمليا مظلة دولة ترتفع فوق رؤوس كل اللبنانيين حماية وسهرا على تطبيق القوانين وحرصا دؤوبا على فرض النظام.

هناك دولة افتراضية. دولة على الورق. دولة في المخيلات او في النيات. وهذه كارثة طبعا، والتدقيق في التفاصيل والقرائن لا يشجع كثيرا على التصديق ان الدولة التي كانت مغيّبة لحقبة طويلة من الزمن هي الآن في طور النهوض.

ليس صحيحا ان الدولة تنهض ويمكن القول انها تتراجع، والدليل انه لم يطبق من "اتفاق الدوحة" إلا ما أوقف النار والمآسي بينما التفكك مستمر، وشرارات الحرائق تنشط وتتسع كلما اقتربنا من الانتخابات.

❒ ❒ ❒

يحتاج هذا التوصيف الى طرح سؤال ضروري: من المسؤول عن هذه الدولة التخشيبة المتهالكة؟
بالطبع تقع المسؤولية على بعض المكونات السياسية والحزبية والطائفية والمذهبية التي تتشكل منها الدولة كي لا نقع في التعميم. أما الذين يديرون أو يمسكون بسلطات الدولة فهم عمليا في حال من الشلل والتعطيل بسبب الانقسامات الحادة والعميقة التي تبقي شبح الحروب الاهلية بين القبائل اللبنانية ماثلا في أذهان الجميع.

وهكذا تقع المشاكل لأن ليست هناك دولة. وتتم لفلفتها لأن ليست هناك دولة، وتتكرر من جديد بسبب غياب الدولة. والمضحك – المبكي ان الجميع يطالبون بقيام الدولة القوية، القادرة، السيدة الحرة والمستقلة، ولكن هناك من لا يريد للدولة ان تقوم، ولا أن تسود، ولا أن تمسك بمقاليد البلاد.

ولأننا في دولة افتراضية، فان الناس لا يحسون ان للدولة هيبة وان لمؤسساتها مهابة. لذلك يستمر ارتباط الناس بمرجعياتهم الطائفية والمذهبية والحزبية، وحتى بـ"زعاماتهم" في الدساكر والقرى، أما جحافل الطوابير الخامسة العاملة لمصالح خارجية فتدار بـ"الريموت كونترول" محاولة دفع البلاد مجددا الى الحروب الداخلية.

❒ ❒ ❒

وهكذا فان الذين نزلوا الى ساحة الحرية ملوحين بالأعلام في سياق تظاهرة شعبية عارمة، وجدوا من ينتظرهم بالهراوات والعصي والسكاكين في بعض طرقات العودة، لأن ليست هناك هيبة للدولة تجعل هؤلاء يحسبون ألف حساب قبل الاقدام على أعمالهم الاجرامية، كما تجعل من يقف وراءهم، إن كان هناك من يقف وراءهم، يمتنع عن هذه الاعمال التي قد تشعل البلاد.

عندما تكون هناك دولة فعلا، يسقط عمليا الكلام المؤلم الذي يتكرر دائما عندما يقال ان كل الاحزاب والمرجعيات والقوى "رفعت الغطاء" عن "العناصر غير المنضبطة"، بما يعني انه بات مسموحا للدولة بأن تحاول لعب دور الدولة، ولكن غالبا ما تصطدم الدولة بالعوائق والعراقيل، والأنكى أو الأخطر من ذلك أنها لا تعلن انها اصطدمت بكل هذا.
لماذا؟

لأن في فمها ماء، وفي وجهها حياء، وفي قلبها خوفا من الأعظم. وعلى هذا كله صارت الدولة منذ زمن بعيد مجرد شركة للفلفة الأمور، أو شركة لتوضيب المآسي. وليس الحق في هذا كما قلنا على الذين يديرون مؤسساتها بل على القوى السياسية التي تتشكل منها.
والأمن بالتراضي مسخرة خبِرها اللبنانيون طويلا لأنها تعني انتفاء وجود الدولة. فهيبة الدولة تؤخذ ولا تُعطى. ولكن عن أي دولة نتحدث؟ صحيح أين الدولة يا صبر أيوب؟

❒ ❒ ❒

نكتة الموسم المبكية طبعا أن الجميع يعتبرون الانتخابات النيابية منطلقا لمشروع الدولة. ولكن أين الدولة التي ستُجري الانتخابات، وهل يسقط اللبنانيون الاوراق في صناديق الاقتراع أم يسقطون أبناءهم القتلى في المقابر وتراب لبنان المنكوب؟!

المصدر:
النهار

خبر عاجل