#adsense

تقديم المفاوضات مع السوريين على المفاوضات مع الفلسطينيين

حجم الخط

إسرائيل تسعى إلى تحقيق أمنها لأن السلام مكلف لها
تقديم المفاوضات مع السوريين على المفاوضات مع الفلسطينيين

يقول ديبلوماسي لبناني شارك في مؤتمر مدريد أنه كان من القلائل الذين خرجوا من هذا المؤتمر بانطباع ان القرارات التي صدرت عنه لن تنفذها اسرائيل لأنها حضرت المؤتمر تحت الضغط الأميركي وهي غير مؤمنة بجدواه، وقد عبر عن ذلك لاحقاً أكثر من مسؤول اسرائيلي، ومنهم رئيس الحكومة اسحق شامير بالقول ان التوصل الى تنفيذ قرارات مؤتمر مدريد بتطلب عشر سنوات إن لم يكن أكثر…

ويضيف الديبلوماسي نفسه انه يرى بحسب متابعته لمجرى المفاوضات مع اسرائيل، وتطور الأحداث في المنطقة، ان اسرائيل يهمها ان تحقق الأمن كي تعيش مع جيرانها ضمن حدود آمنة، ولا يهمها تحقيق السلام الذي يتطلب تحقيقه انسحاباً من أراض عربية لا ترغب في الانسحاب منها، خصوصاً انها جربت السلم مع مصر والاردن بعد انسحابها من سيناء ومن أراض أردنية فكان هذا السلام معها بارداً ولا يزال ولم يغير شيئاً في نفسية العرب حيال الاسرائيليين، وهو الكره وعدم الرغبة في تطبيع العلاقات تطبيعاً كاملاً يفتح الباب للتبادل التجاري ولانتقال الأموال وتوظيفها، ولا تزال نظرة الشعوب العربية، حتى في الدول العربية التي تقيم تمثيلاً ديبلوماسياً معها، نظرة عداء الى اسرائيل واعتبارها دولة مفروضة الوجود في المنطقة وليست دولة من المنطقة.

لذلك، فان مفاوضات السلام مع اسرائيل التي مضى عليها سنوات طويلة لم تتوصل الى اتفاق على تنفيذ قرارات مؤتمر مدريد ولا تنفيذ القرارات الدولية ولا حتى على اعلان الموافقة على مبادرة السلام العربية التي صدرت عن القمة العربية في بيروت، بل جاء ردها سلبياً وذلك باحتلال مزيد من الاراضي الفلسطينية، واذا كانت تعلن اليوم بلسان مسؤولين فيها استعدادهم للبحث في هذه المبادرة كاطار للسلام، فربما من قبيل المناورة السياسية الخادعة ورداً على معارضة بعض الدول العربية لها واعلان نعيها في قمة التضامن مع غزة في الدوحة، فكل مبادرة سلام تدعو اسرائيل الى الانسحاب من كل الاراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، سواء من الضفة الغربية او من هضبة الجولان ومن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا هي مبادرة مرفوضة لأن اسرائيل لا تريد الانسحاب إلا من جزء من هذه الاراضي وليس من كاملها متذرعة بتفسيرها لنص القرار 242 الذي يدعو الى الانسحاب من "اراض عربية" وليس من الاراضي العربية، وهي تعتبر انها انسحبت من سيناء العربية ومن أراض في الاردن، ومن قطاع غزة، ومن بعض الضفة الغربية ومن جزء كبير من جنوب لبنان، وهي مستعدة للبحث في الانسحاب من جزء آخر من هذه الاراضي وليس منها بكاملها.

وقد توصلت اسرائيل التي تضع امنها فوق كل اعتبار، وبمساندة كل حكم في الولايات المتحدة الأميركية خصوصاً، وبعدم ممانعة دول الاتحاد الاوروبي عموماً، الى ضمان أمن حدودها مع مصر ومع الاردن، وإخراجهما من خوض اي حرب ضدها، وهي تفاوض سوريا من أجل ضمان أمن حدودها معها لقاء انسحاب ربما غير كامل من هضبة الجولان. وقد ضمنت أمن حدودها مع لبنان بنشر القوات الدولية الى جانب الجيش اللبناني في الجنوب، وإبعاد مرمى سلاح "حزب الله" عن مستوطناتها قبل أن يقابل ذلك انسحاب مما تبقى من الاراضي اللبنانية المحتلة اي مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وقد فاوضت السلطة الفلسطينية على مدى سنوات من أجل التوصل الى اتفاق على انسحاب غير كامل من الاراضي الفلسطينية التي تحتلها في مقابل ضمان امن حدودها مع الجانب الفلسطيني، وهي مستعدة لأن تستمر في التفاوض سنوات عديدة حول ذلك، عندما تكون قد ضمنت أمن كل حدودها مع جيرانها الآخرين، بحيث يصبح احتلالها لما تبقى من الاراضي العربية أمراً واقعاً يتكيف معه العرب، مع الوقت، كما تكيفوا مع احتلال القدس والسماح للعرب والفلسطينيين بأداء الصلاة فيها فقط، وكما تكيفوا مع بقاء فلسطينيي الشتات حيث هم، بحيث يصبح الوقت كفيلاً بحل مشكلة بقائهم، فينسون المطالبة بحق العودة، واذا قامت دولة فلسطينية الى جانب الدولة الاسرائيلية فأنها ستظل فاقدة مقومات قيامها لتصبح قابلة للحياة.

وإذا كانت اسرائيل تقدم المفاوضات مع سوريا على المفاوضات مع الفلسطينيين، فلأن ثمن الاتفاق مع سوريا هو اقل كلفة من ثمن الاتفاق مع الفلسطينيين حيث يهوداً والسامرا في الضفة الغربية جزء لا يتجزأ من أرض اسرائيل في نظر المتشددين الذين جاءت الانتخابات الاسرائيلية الأخيرة بهم الى السلطة.

ولا تزال اسرائيل، ومع اي حكومة تقوم فيها، تأمل في أن يكون التوصل الى اتفاق مع سوريا اقرب من الاتفاق مع السلطة الفلسطينية خصوصاً اذا ظلت منقسمة الى سلطتين، او لم يتم الاتفاق بين قادتها حتى ولو قامت سلطة فلسطينية واحدة، على شروط مفاوضة اسرائيل وتناقض المطالب بين المعتدلين القابلين بتقديم التنازلات المطلوبة تحقيقاً للسلام، وبين المتشددين الذين يرفضون تقديم هذه التنازلات، ومن ثم التوصل الى اتفاق سلام بين اسرائيل وسوريا وأصبحت حدودهما المشتركة آمنة، فلا يعود يهم اسرائيل إن ظلت حدودها مع الجانب الفلسطيني مضطربة وغير آمنة، لأن هذا الجانب يصبح وحيداً ومعزولاً في مواجهة اسرائيل التي تصبح متفرغة لهذه المواجهة ويصبح بالتالي الحصار العسكري والاقتصادي كافياً لإخضاع السلطة الفلسطينية وجعلها تقبل بسلام الاستسلام…

المصدر:
النهار

خبر عاجل