الجنرال البرتقالي يسوق "القوافل" إلى دمشق وطهران!
من حق السياسي أن يختار النهج الذي يراه, ويعتقد أنه الانسب والأصلح لتحقيق أهدافه وبلوغ غاياته, بشرط واحد هو أن لا يكون هذا النهج متصادما مع الخط السياسي لبلاده, ولا يؤدي إلى الإضرار بمصالح شعبه ومواطنيه.
الجنرال ميشال عون اختار ان يكون ورقة سورية بامتياز, وحسم خياره بالخوض في متاهات الترهات السياسية الممجوجة, حتى أصبحت تلك الترهات رديفا لتحركاته ومواقفه التي يظن ان الناس تأخذها على محمل الجد, وليس من قبيل السخرية.
الجنرال عون يخلط بين الجد والهزل, ويلبس الحق بالباطل ليواري سوأة مواقفه, لكن الناس تدرك حقيقة أن الجنرال ورقة سورية جاهزة لتوظيفها حيث تدعو الحاجة, لاسيما عندما تكون الغايات الخارجية خلق حالة من العراك او التجاذب بين المسيحيين الموارنة وبين المسلمين السنة في لبنان, ومبعث تلك الغايات ان ايران ذات الوصاية والسيطرة على "حزب الله" تقتضي مصالحها بين الحين والآخر ان تبتعد عن الخط السوري وتتمايز عنه في بعض المواقف المتعلقة بلبنان, وذلك لزوم التعاطي الايراني مع الضغوط الاقليمية او الدولية التي تسعى الى لجم التدخلات الايرانية المباشرة وغير المباشرة في شؤون بعض دول المنطقة. وكثيرا ما شاهدنا خلال الاعوام القليلة الماضية محاولات ايرانية للايحاء بالتمايز عن الموقف السوري لحفظ ماء الوجه, وتعديل النظرة الدولية حيال طهران, لاسيما عندما تشتد وتيرة الضغوط على نظام الملالي.
الجنرال عون نموذج مثالي ل¯ "المحلل" في حال الطلاق الايراني – السوري, خصوصا اذا كان الطلاق مع حق العودة… فالجنرال البرتقالي بحكم شخصانيته الفريدة يعجبه ان يكون لبنان حرا مستقلا ولكن وفق مرئياته, ويعجبه ايضا ان يسوق القوافل السياسية اللبنانية المحلية وفق مزاجه حتى لو تعكر هذا المزاج, فاليوم عون وغدا فرعون, والمهم في كل ذلك ان تنسجم هذه القوافل السياسية مع أهوائه ومزاجه مهما تعكّر أو تبدّل.
اختار الجنرال عون ان يكون الورقة السورية – الايرانية في الساحة اللبنانية, اعتقادا منه ان دعم هذين النظامين له مطلق ودائم, ونسي ان هناك ما يسمى "مصالح" تأخذها الدول بعين الاعتبار في تحالفاتها ومواقفها, وبالتالي فليست هناك عداوات دائمة او صداقات دائمة, وهذه المصالح لم يفهمها عون, أو هو لم يرد ان يفهمها, أو يدرك ان هذه المصالح تشهد متغيرات تبدل مسارات الأمور والأدوار المرسومة لبعض الذين ينفذون مآرب الخارج, علما أن الدور الذي رسمه السوريون لعون وبعض أعوانهم في لبنان يتمثل في العبث بالجبهة الداخلية اللبنانية بما يؤدي الى خلط بعض الاوراق التي تزعج النظام القائم في دمشق.
ولعل المحكمة الدولية لمحاكمة المتورطين في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري هي احدى الاوراق اللبنانية التي ترغب دمشق بخلطها مجددا خشية ان تطال تحقيقات المحكمة وأحكامها بعض كبار المسؤولين في سورية بتهمة علاقتهم بجريمة الاغتيال. ولعل رسالته التي وجهها أمس الى الاغتراب اللبناني بذريعة الانتخابات النيابية المقبلة مؤشر على محاولة خلط الاوراق, علما ان لا مبرر لهذه الرسالة التي جاءت سافرة في توقيتها غداة الذكرى السنوية الرابعة لاغتيال الحريري, وعلى ابواب الشروع في التحضيرات العملانية للمحكمة الدولية.
اختار عون موقعه وموقفه, وشاء ان يكون ورقة سورية وتلك قناعة لا يحسده أحد عليها, لاسيما إذا كان يقبل ان يستخدم مطية للبعث السوري في الشأن اللبناني.
عجبا لشهوة السلطة كيف تبدل المواقف, وكيف تدفع بعض النفوس الى تبديل القناعات وحقائق التاريخ الذي لن يرحم هؤلاء لانهم خانوا أمانة الانتماء الفعلي الى وطنهم وغلّبوا نشوة السلطة في النفوس على مضامين الحرية والسيادة في النصوص.
أحمد الجارالله