#adsense

صفير في رسالة الصوم: هناك من لا يهمه الا تبوؤ السلطة ولو على اشلاء البلد

حجم الخط

صفير في رسالة الصوم: هناك من لا يهمه الا تبوؤ السلطة ولو على اشلاء البلد 

اكد البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ان الوضع العصيب الذي نعيشه في لبنان يقتضي الكثير من الوعي وضبط الالسنة عن كلام السوء. وشدد البطريرك صفير في رسالة الصوم على ان هناك من يتربص بالوطن ويتحين غفلة منا لينقض عليه، مشيرا الى اننا لاهون عن ذلك ان لكم من بيننا من هم ضالعون ولا يهمهم من الامر الا تبوؤ المناصب العالية ولو كان ذلك على جثث الضحايا واشلاء البلد. كما انتقد صفير الالسنة التي تنطلق على هواها دون رقيب حاملة ما لم يألفه اللبنانيون من قبل من كلام مقذع والفاظ تحقيرية، لافتا الى ان هذا مخز ومخجل ودليل على انحدار في الاخلاق.

واعتبر صفير انه "يحزّ في نفسنا أن نرى القيم الأخلاقية تتدنّى، يومًا بعد يوم. ويظهر هذا التدنّي خاصة في لغة التخاطب، والمواقف المتّخذة ، وطريقة التعامل، التي لم تكن سابقًا مألوفة بين اللبنانيين. وهي ظاهرة تتجلّى خصوصاُ على الصعيد الشخصي والاجتماعي، والتربية العائلية والوطنية، ومؤسسات الدولة على اختلافها. وهذا ما يشير الى فساد في الأخلاق أصبح مستشريا، لذلك أردنا أن نشير اليه، قبل أن يستفحل، ويتأصل في النفوس، فيصعب استئصاله فيما بعد".

وتناولت الرسالة "القيم الاخلاقية" على اكثر من صعيد، فعلى الصعيد الشخصي والاجتماعي اشار البطريرك صفير الى ان القيم هي ما يجعل الانسان موضع احترام، سواء أكان في المجال الأدبي، أم العقلي، أم المهني. والكنيسة رفضت كل ما يمسّ بالقيم الأصليّة وبخاصة رفضت " النظريات الشموليّة والملحدة المشتركة، في الأعصر الحديثة. وأنكرت في واقع "الرأسمالية" الفردية وأولوية قانون السوق المطلقة على العمل البشري. وتنظيم الاقتصاد عن طريق التخطيط المركزي فقط الذي يفسد في الأساس العلاقات الاجتماعية. واعتبر ان الدين المسيحي يوجب على معتنقه أن يسير السيرة الحسنة، وأن يكون سلوكه الشخصي سلوكا مثاليًا في بيته، ومجتمعه ومكان عمله. وأن ينتهي بنواهي ضميره ويأتمر بأوامره، شرط أن يكون هذا الضمير مستقيمًا، وليس معوجّا او منحرفًا.

واضاف: لا تستقيم أحوال المجتمع وتزدهر الا اذا تقيّد المواطنون بالمبادىء الأساسية التي ارتضوها بارتضائهم ما نصّ عليه دستور بلدهم من قواعد تلزمهم العمل بمقتضاها في مختلف الميادين التي يمارسون فيها نشاطهم. والخضوع للسلطة، والمسؤولية المشتركة عن الخير العام يقضيان أدبيًا بدفع الضرائب، وممارسة حق الانتخاب والدفاع عن الوطن.

اما على صعيد التربية العائلية والوطنية، رأى البطريرك ان تربية الأولاد هو واجب مقدّس بالنسبة الى الوالدين. فالعائلة هي الخليّة الأساسية للمجمتع. "وهي المجتمع الطبيعي حيث يُدعى الرجل والمرأة الى هبة الذات في المحبة وهبة الحياة. والسلطة، وثبات العلاقات وحياتها في حضن العائلة تشكّل أسس الحرية، والأمان والأخوّة، ضمن المجتمع. والعائلة هي الجماعة التي يمكن الانسان فيها، أن يتلقّن منذ سنّ الطفولة، القيم الأخلاقية، ويبدأ بتكريم الله، وممارسة الحرية. والحياة في العائلة هي تعليم الحياة في المجمتع.

واضاف: ما من شكّ في أن التربية الوطنية لها تأثير كبير على الأولاد اذا تأمّنت لهم منذ الصغر. ومحبة الوطن، كمحبة الوالدين، واجب مقدسّ. والوطن له على أبنائه ما للوالدين على أبنائهم. وهو الذي وفّر لهم ما توفّره الأوطان عادة لأبنائها، ما عدا الغذاء المادي، الغذاء الروحي والمعنوي. ومحبة الوطن تقضي بالتضحية حتى بالنفس في سبيله. ولكن المواطنية الصحيحة قد فقدت معناها لدى بعضهم، وبدلا من أن يحبوا وطنهم محبة تفضي الى التضحية بالنفس في سبيله، فهم يضحون بوطنهم وبمصالحه على مذبح مطامعهم وطموحاتهم الشخصية. وهذا بعيد كل البعد عن محبة الوطن الحقيقية. أن تحب وطنك المحبة الصادقة معناه أن تبحث عمّا بامكانك أن تعطيه، وليس أن تبحث عمّا بامكانك أن تأخذ منه. وهو قد سبق له أن أعطاك الكثير، فأورثك ما فيه من غنى روحي ومادّي وأخلاقي وثقافي. فبات من واجبك أن تخضع للسلطة الشرعية فيه وتدفع ما يطلبه من ضرائب، وتمارس فيه حق الاقتراع والدفاع عنه. ولكن اذا تجاوزت السلطة العامة صلاحيتها، وظلمت المواطنين، فعلى هؤلاء ألاّ يرفضوا ما هو مطلوب منهم بموضوعية للخير العام. غير أنه يجوز لهم أن يدافعوا عن حقوقهم، وحقوق مواطنيهم، ضدّ تجاوزات السلطة، مع احترامهم للحدود التي رسمتها الشريعة الطبيعية، والشريعة الانجيلية". ومقاومة جور السلطة السياسية لا تلجأ شرعا الى السلاح، الاّ اذا توفّرت الشروط الآتية:

1- في حال انتهاك أكيد وخطير وطويل الأمد للحقوق الأساسية.

2- عد أن تكون قد اسُتنفدت كل الوسائل الأخرى.

3- دون أن تتسبب بفوضى أسوأ.

4- ان يكون هناك أمل بالنجاح.

5 – اذا كان مستحيلا ان نرى بصورة معقولة حلولا أجدى.

على صعيد مؤسسات الكنيسة والدولة، اكد ان لا دولة من دون مؤسسات، وهذه لا بدّ منها للحياة الاجتماعية. وللمؤسسات أهداف وغايات ترمي الى تنظيم حياة المواطنين وفق قواعد ونمازج معروفة، تساعدهم في حياتهم ضمن الدولة. يقول التعليم المسيحي الكاثوليكي: "على العلمانيين، فضلا عن ذلك، أن يجمعوا قواهم، ويحملوا الى المؤسسات، وظروف الحياة في العالم، عندما تستدرج الى الخطيئة، ما ينظّفها تنظيفا مقبولا، لتصبح كلها متوافقة وقواعد العدالة، وتساعد على ممارسة الفضيلة، بدلا من أن تقيم في وجهها الحواجز. وبفعلها هذا، فهي تُدخل قيمة أدبية على الثقافة والأعمال البشرية".

اضاف: العلمانيون بامكانهم أن يشعروا أيضا بأنهم مدعوون، أو مستدعون، لمعاونة رعاتهم في خدمة الجماعة الكنسية، لنموّ هذه الأخيرة وحياتها، فيمارسون خدمات مختلفة كل الاختلاف، وفق النعمة والمواهب التي يحسن للرب أن يضعها فيهم. ويستطيع المؤمنون في الكنيسة أن يساعدوا وفق الحق في ممارسة سلطة الادارة. وهكذا بحضورهم في اللجان الخاصة، ومجامع الأبرشيات، واللجان الراعوية، وفي ممارسة المهمة الراعوية في احدى الرعايا، والمساعدة في لجان الأعمال الاقتصادية، والمشاركة في المحاكم الكنسية. وكل جماعة بشرية هي في حاجة الى سلطة تتدبّر شؤونها. وهذه السلطة تجد جذورها في طبيعة الانسان. وهي لا بدّ منها لوحدة الأمّة. ويقوم دورها على تأمين الخير العام للمجمتع، على قدر الامكان. وقال: لا شكّ في ان الدولة يعتريها عراقيل كثيرة متأتية عن سوء أداء القيّمين عليها وعن سواهم. وكلٌّ يريد أن يستغلّها لمصلحته الخاصة. وهي تجب أن تكون للجميع دونما تفرقة. وهي من طبعها يجب أن تسعى الى رعاية جميع المواطنين دونما استثناء، فتشجّع المخلصين لها، العاملين على تحقيق مصالح الشعب، وتكافئهم، وتعاقب المتوانين في خدمتها أي خدمة الناس، وتقاصّهم. ولا تستقيم أهدافها، اذا كانت لا تحرص على مصالحها، وتترك القيّمين عليها يستغلّونها لمصالحهم الخاصة.

وانهى صفير هذه الرسالة بالقول:" ان البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته السنة المئة حذّر من" تطليق العقلية التي تعتبر الفقراء – اشخاصا وشعوبا- كعبء، وكمزعجين يزعمون أنهم يستهلكون ما ينتجه الأخرون. ان الفقراء- على ما كتب – يطالبون، عن حق، بنصيبهم من الخيور المادية، وبوضع امكانات العمل، لديهم لكي يوجدوا عالما أكثر عدالة، واكثر ازدهارا، بالنسبة الى الجميع.

واضاف: ان العولمة وحدها لا يمكنها أن تبني السلام، وخلافا لذلك، في أحوال عديدة، انها تتسبّب بانقسامات وصراعات. وهذه تكشف بالأحرى عن حاجة: وهي حاجة التوجّه الى هدف تضامن عميق يريد الخير لكل من الناس ولهم جميعا. يجب اعتبار العولمة، بهذا المعنى، مناسبة مؤاتية لتحقيق شيء هامّ في كفاح الفقر ووضع الموارد، التي كان حتى اليوم يصعب تصوّرها، في تصرّف العدالة والسلام".

والعالم يعاني اليوم من الخلل في النظام المالي الذي يسوده. وهناك خسائر كبيرة جدّا أصابت بعض البلدان، ومنعتها من التقدّم المرتجى، وهي تتخبّط اليوم في أزمة كبيرة لا تعرف كيف تخرج منها. وهذا ما يتسبب بعجز يعوق مثلا محاربة الأمراض المنتشرة في أحد البلدان.

وقد لفت قداسة البابا بنديكتس السادس عشر في رسالته في مناسبة يوم السلام العالمي لهذه السنة الى وجوب محاربة الأمراض المستشرية بقوله:"هناك مصدر آخر للقلق، وهو الأمراض المستشرية، مثلا، الملاريا، والسلّ ،والسيدا، التي، بقدر ما تضرب قطاعات السكان المنتجة، تؤثّر تأثيرا كبيرا على تضخيم أوضاع البلد العامة. والمحاولات للجم عواقب هذه الأمراض على السكان، لا تبلغ دائما نتائج كبيرة. وقد يصدف، علاوة على ذلك، ان البلدان التي وقعت ضحية هذه الأمراض المستشرية، يجب أن تحتمل، لمواجهة هذا الأمر، ابتزاز الذين يشترطون المساعدات الاقتصادية بانتهاج سياسة تضاد الحياة. ومن الصعب خصوصاً محاربة السيدا، التي هي سبب مأساوي للفقر، اذا كانت الاشكالات الأدبية المرتبطة بانتشار الداء لا تواجه. يجب أولا ان توضع موضع العمل الحملات التي تعلّم، خاصة الشباب، مبادئ جنسية تتفق وكرامة الانسان، ومبادرات تمت في هذا المجال وحققت نتائج مهمّة، بتخفيضها انتشار المرض. ويجب بعدئذ أن توضع في تصرّف الشعوب الفقيرة أدوية وعناية ضرورية، وهذا يفترض التزاما قويّا لمصلحة البحث الطبّي، واستنباطات علاجية، وتطبيقا مرنا، عند الحاجة، لقواعد عالمية تسيّر الملكية الفكرية، لكي تُضمن لكل الناس العناية الصحية الأساسية الضرورية.
ختام الرسالة: وختم البطريرك رسالته بالقول: حدّد الفلاسفة الانسان بقولهم عنه: "انه حيوان ناطق". فاذا حُرم وظيفة النطق، فلا يبقى منه الا الحيوان. طبعا هناك اناس لا يقوون على الكلام كالخرس والبكم ومن أصيبوا بعاهة أو مرض منذ ولادتهم أو بعدها. وهم لم يفقدوا صفتهم الانسانية. وهذا يعني ان الانسان زيادته أو نقصه في التكلم، على ما يقول الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى. ولا يدلّ على رجحان عقله أو خفّته، وما لديه من ثقافة أو ما أصابه من جهل، الاّ كلامه.واليكم ما يقول القديس يعقوب في اللسان: "ان السفن، مهما كانت ضخمة، والرياح شديدة تدفعها، فان دفّة صغيرة جدا تقودها الى حيث يشاء الربان. وكذلك اللسان، مع أنه عضو صغير، فهو يفاخر بأمور عظيمة.

وها ان شرارة صغيرة تحرق غابة كبيرة! واللسان أيضا نار، انه عالم الأثم. اللسان جُعل بين أعضائنا، وهو الذي يلّوث الجسد كله، ويُلهب عجلة الحياة، وتلهبه جهنم. فكل جنس من الوحوش، والطيور، والزحافات، والحيوانات، البحرية، يمكن اخضاعه، ولقد أخضعه الجنس البشري. أما اللسان، فلا يستطيع أحد من الناس أن يخضعه. انه شرّ متقلب، ممتلئ سمّا مميتا. به نبارك الرب الآب، وبه نلعن الناس، الذين صُنعوا على مثال الله. من الفم الواحد تخرج البركة واللعنة، فلا ينبغي، يا اخوتي، ان يكون الأمر هكذا. هل يفيض الينبوع بالعذب والمرّ من مجرى واحد ؟ وهل يمكن يا اخوتي، أن تؤتي التينة زيتونا أو الكرمة تينا ؟ كذلك الينبوع المالح لا يمكنه أن يؤتي ماء عذبا.

وقال: في هذه الأيام لا نسمع الا السنة تنطلق على هواها، دون رقيب أو حسيب، وهي تحمل ما لم يألفه اللبنانيون من ذي قبل، من كلام مقذع، وألفاظ تحقيرية، ومفردات تنحدر بالناس الى مصاف الحيوانات. وهذا مخز ومخجل. وهذا دليل على انحدار في الأخلاق، ونفوس ملأها الحقد، وفتكت بها الضغينة. والكتاب المقدّس يقول:" الانسان الغضوب يثير النزاع، والرجل المتسّخط كثير المعاصي" .

وتابع: ليس بخاف على أحد من اللبنانيين أن الظرف الذي نعيش فيه هو ظرف عصيب، يقتضي له الكثير من الوعي والمرونة، وأخذ النفس بالشدّة، وضبط الألسنة عن كلام السوء، وان هناك من يتربصّون بوطننا، ويتحيّنون غفلة منا، لينقضّوا عليه، ونحن لاهون عن ذلك، ان لم يكن من بيننا من هم ضالعون، ولا يهمّهم من الأمر الا تبؤّ مناصب عالية في السلطة، ولو كان ذلك على جثث الضحايا، وأشلاء البلد.

المصدر:
الوكالة المركزية

خبر عاجل