الديموقراطية استحقاق المعارضة
لا يمكن تجاهل الدلالات المؤثرة لمواقف قطبي الثنائي الشيعي القوي في تعزيز الضمانات السياسية لمرحلة العبور الى الانتخابات خصوصاً وسط اطلالات مريبة للعبث الامني. فالخلاف العمودي بين فريقي 14 آذار و8 آذار لا يوفّر مشروعية لأي تجاهل كهذا خصوصاً ان الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصر الله يمعنان في طرح الشراكة والتوافق عنواناً ملاصقاً لأي مشهد اكثري واقلوي سينشأ بعد الانتخابات. وحتى في الخلاف على توصيف طبيعة هذه الانتخابات بين "مصيرية" وغير مصيرية، ثمة ايجابية كبيرة في تمسك الثنائي الشيعي بمبدأ المشاركة اقله من الناحية الميثاقية. مثل هذا الاصرار يتجاوز الاطار الانشائي التقليدي "للصيغة" ويعكس مصالح حقيقية ضاربة في الحسابات الواقعية للثنائي نفسه، بل يكشف في جانب منه نضجاً في "المراس" السياسي والسلطوي لفريق صعد الى القمة بعد حرب تموز 2006 ثم اصطدم بالآخرين في 7 ايار بفعل تحكيم السلاح في الخلافات السياسية.
اذاً هو تطور بارز جلي عند مشارف الانتخابات النيابية لا يجوز الاستهانة به وادراجه ضمن يوميات الحسابات المركنتيلية لان الثنائي الناطق باسم طائفته يشكل احدى اقوى ركائز المعادلة اللبنانية ويطل بقوة استثنائية على تحالفات وارتباطات اقليمية معروفة.
مع ذلك لا يزال هذا الموقف دون مستوى الضمان الكامل لتبين منهج المعارضة وبرنامجها الواقعي والمبدئي على السواء ان هي فازت بقصب السباق الى القبض على الغالبية النيابية المقبلة.
فقوى الغالبية الراهنة التزمت، وفق المعايير الديموقراطية مبدأ جوهرياً تحلت به بالصدقية الكاملة باعلان التزامها كسر نمط الثلث المعطل في الحكومة المقبلة ان هي لم تستعد اكثريتها في الانتخابات.
ولا شك في ان السيد نصر الله كان محقاً في اظهار محاذير تنفيذ مثل هذا القرار لان خروج قوى 14 آذار من الحكومة، وسط افتراض كهذا، يعني خروج طوائف كبرى من الحكم والسلطة.
وستبقى هذه الاشكالية عالقة على الارجح ولن يكون ممكناً بتها على مستوى افتراضي من الآن وخصوصاً ان ما بعد 14 شباط وتطورات اخرى لاحقة ستجعل كل فريق يزداد ثقة بفوزه بالغالبية المقبلة.
لكن الامر لا يمنع هذا المنحى الافتراضي، بل على العكس. فالمضي به يحصن المناخ الديموقراطي لانه يكشف النيات والمصالح المتأصلة للطوائف والقوى امام الناخبين، ويشرّع الشفافية المطلقة في استخراج بواطن المشاريع الحقيقية البعيدة عن التلاعب الدعائي.
بذلك ستغدو هذه المعارضة، تحديداً التي هي اقوى من سلطة الدولة، مطالبة بإلحاح شديد بوضع برنامج تفصيلي كامل لمنهجها في الحكم المفترض وخصوصاً حيال الكثير مما يقلق في مسارها ويخيف في انماطها. مسألة الطائف وحماية النظام الديموقراطي تقف عند اولوية حاسمة وكذلك مسائل الحريات والسلاح والاستراتيجية الدفاعية. وكلها تتصل بمشروع الدولة.
فمن غير الجائز ايضاً تجاهل الكثير مما جرى اخيراً من انتهاكات للحريات السياسية واستهانة بسلطة الدولة الرمزية والواقعية، وهي انتهاكات تضاف الى سجل طويل من الانماط المفتقرة بشدة الى ثقافة ديموقراطية.