النقاش أوّل الغيث للخروج من دوّامة التعطيل لكن 8 آذار لم ترض بعد بمبدأ "الديموقراطية التمثيلية"
الانتخابات.. لتحديد طبيعة النظام السياسي اللبناني
يمكن الارتياح إلى النقاش الأوّلي الذي بدر في الأيّام الأخيرة وتناول طبيعة النظام السياسيّ اللبنانيّ والشكل الذي على أساسه سيصار إلى "استئناف" هذا النظام بعد الانتخابات النيابية. طبعاً، الارتياح يكبر إذا ما تتابع النقاش.
لقد تأخر الخوض في طبيعة النظام السياسي، رغم الحاجة التي كانت تفرض ذلك مع استفحال أزمة هذا النظام، على وقع اشتداد الهيمنة السوريّة وبلوغها حدّاً لا يطاق، قبل مباشرة انحسارها، أو انتقالها إلى مرحلة الاستنزاف الأمنيّ والسياسيّ للحراك الاستقلالي اللبنانيّ وللمداميك الكيانيّة اللبنانيّة.
وفي زمن الصراع مع الوصاية السوريّة والنظام الأمنيّ المعاون لها، كانت النزعات السياديّة تبالغ في "التفاؤل" بانفراج حال النظام السياسيّ ما إن يتحقّق الاستقلال، تماماً مثلما كانت "تتشاءم" إلى حدّ بعيد بالنسبة إلى انسحاب سوريا من لبنان، وتتحضّر لتاريخ من الانسحابات الجزئية والمتدرّجة وصولاً إلى الجلاء الأخير.
لكن الأحداث الفاصلة بين التمديد المشؤوم لإميل لحّود في قصر بعبدا، وبين انتخابات 2005 هو انقلاب مواقع "التفاؤل" و"التشاؤم". فمن جهة، تحقّق الجلاء السوريّ بأسرع مما توقّع اللفيف الاستقلاليّ، ومن جهة ثانية، انفجرت أزمة النظام السياسيّ اللبناني أكثر من أي وقت مضى، وأتسع الشقاق الأهليّ في أعقاب كل عملية اغتيال، وانقسمت ذاكرات الجماعات اللبنانية بشكل حاد على "تفسير" حرب تمّوز 2006، وتعذّرت التسوية في ما بعدها، وظلت أشكال التفجير الأمنيّ المتنقّل تتناسل من بعضها البعض، في ظلّ ما يشبه احتكار طرف واحد، أو محور واحد، للعبة الأمنية، أي معادلة "فوضى السلاح المنظّمة" التي يقترح البعض اليوم رفعها إلى منزلة "استراتيجية دفاعية" يصادق عليها كلّ الوطن.
وترافق انتشاء "فوضى السلاح المنظّمة" مع أساليب متنوّعة لفرض "الحب بالإكراه" على قاعدة أن تغيير التحالفات الانتخابية لعام 2005 يوجب حكماً تجميد المجلس النيابي المنبثق عن هذه الانتخابات، أو على قاعدة أنّه يحقّ للأقلية كونها "معارضة" و"مقاومة" في آن، أن تفرض حراستها على الحكومة، من خلال سلاح "الثلث المعطّل".
لأجل ذلك كلّه ظلّ النقاش في طبيعة النظام السياسيّ اللبنانيّ يتأجّل، إلى أن سمعنا في الأيّام الأخيرة ما يوحي بعكس ذلك، وسط تأكيد قوى 14 آذار على "مصيرية" الاستحقاق الانتخابي واكتفاء 8 آذار بصفة "المفصلية".
بدأ هذا النقاش بإعادة الأكثرية الاعتبار إلى ما ينصّ عليه الدستور من أنّ لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانيّة، وهو ما عبّرت عنه كلمة رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري في 14 شباط، وتصريحاته عشية المناسبة. موقف الأكثرية هو أن "الثلث المعطّل" يتنافى مع مبدأ الديموقراطية البرلمانية ومع اتفاق الطائف، وإن جرى تقبّله بشكل مشروط، ومن ضمن ترتيبات "اتفاق الدوحة"، هو محصور في المرحلة الانتقالية التي تنتهي يوم الاستحقاق الانتخابي، ولا مجال البتة لتحويل "الثلث المعطّل" إلى عرف، ولا يدخل أصلاً في باب العرف ما يتنافى مع مواد وأحكام عديدة في الدستور. ثم أن تجربة "الثلث المعطّل" بعد اتفاق الدوحة ليست مشجّعة أبداً، وفي كلّ مرة كان يلوّح فيه بهذا "الثلث" كان يجري التهديد أيضاً بفعلة 7 أيّار، في خرق للتعهد الوارد في اتفاق الدوحة بعدم اللجوء إلى العنف لتحقيق مكاسب سياسية، هذا علاوة على ما نصّ عليه اتفاق الدوحة من امتناع الوزراء عن الاستقالة أو تعطيل عمل الحكومة المكلّفة تنظيم الاستحقاق الانتخابيّ.
فهذا "الثلث المعطّل" الذي تضمّنه اتفاق الدوحة لم يستطع التعايش مع البنود الأخرى في اتفاق الدوحة، ولعب بذلك دوراً إيجابياً في الحؤول دون تكريس اتفاق الدوحة بديلاً عن اتفاق الطائف.
الخلاصة التي تتوصل إليها الأكثرية من ذلك، أنّه بعد الانتخابات، وبما أنّ البلد منقسم إلى ما يشبه "حزبين كبيرين"، 8 و14 آذار، فمن الأجدى الاحتكام إلى مبدأ الأكثرية تحكم والأقلية تعارض، فتكون المشاركة بين "الحزبين الكبيرين" محصورة في البرلمان، ويكون لأحد هذين الحزبين الحق في تشكيل الحكومة، إلى أن تتبدّل خارطة الانقسام السياسيّ أو يحين موسم انتخابي آخر.
في مناقضة لهذه الخلاصة، تشدّد 8 آذار على أن لبنان "حالة خاصة" رغم أنّ الدستور يصفه بالديموقراطية البرلمانية. الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله يقترح المشاركة الحكومية كخيار أوّل في حال فاز فريقه، مع إعطاء "الفريق الآخر" ثلثاً "ضامناً"، وإلا فحكومة صافية لـ 8 آذار. لكنّه في المقابل لم يتحدّث عن خيارات فريقه في حال الخسارة الديموقراطية للاستحقاق.
وهو يقول إنّ "لبنان ليس سويسرا" كي يطبّق مبدأ "الأكثرية تحكم والأقلية تعارض" مع أنّ سويسرا أيضاً لا تطبّق هذا المبدأ، فسلطتها التنفيذية ينهض بها "مجلس اتحادي" ديموقراطي توافقي يضم أكثر من "ثلث معطّل" ويعطي الأولوية لقاعدة الإجماع لإتخاذ قرارته، وهو أمر لا سبيل إلى فهمه إلا بتذكّر الطبيعة الفدرالية للنظام السويسريّ.
وما يحدث في لبنان هو أن طرفاً واحداً يتصرّف كـ"كانتون سويسريّ" في كل كبيرة وصغيرة لكنّه يحظّر على الآخرين حقّ "الكنتنة" بل يتّهمهم بالسعي اليها.
الأمر الآخر الذي لا تدخله 8 آذار في بالها وهي تتناول "الديموقراطية التوافقية" هو أن التحالفات السياسية يمكن أن تتغيّر من دون أن يعني ذلك فرط عقد المجلس النيابي الذي جاءت به هذه التحالفات. الديموقراطية الطائفية تبقى على علاتها ديموقراطية تمثيلية ولا يمكن أن ترتفع بموجب علاتها إلى منزلة.. الديموقراطية المباشرة التي يفكّر بها البعض في 8 آذار من دون تسميتها.
في الديموقراطية التمثيلية، العلاقة لا تقوم بين نادبين ومندوبين وإنّما بين ناخبين ومنتخبين، والنواب ينتظرون الموسم الانتخابي التالي كي يحاسبون وإذا ما تراجعت شعبيتهم في المدة الفاصلة فليس ما يلغي نيابتهم. ليس يمكن محاسبتهم بأي حال على تغيير علاقاتهم وتحالفاتهم في ما بينهم على ما قامت به 8 آذار بعد انهيار "التحالف الرباعي" أو على ما تفكّر به حالياً لفرض "الثلث المعطّل" بعد الانتخابات.
في هذه النقطة بالتحديد لا يمكن أن يكون لبنان حالة خاصة. أما 8 آذار فتحتاج إلى دروس خاصة ومكثفة في القانون الدستوري والقانون الدستوري المقارن إذا ما أرادت للنقاش أن يستكمل، أو إذا ما أرادت على أقل تقدير فهم ماهية الديموقراطية التمثيلية، وماهية الديموقراطية البرلمانية، للحديث بعد ذلك عن خصوصية الديموقراطية اللبنانية.