مرج المحكمة وثلج أوهام التسوية
مساء السبت 14 شباط، وبعد مشهد ساحة الحرية الذي امتدّ إلى ساحة رياض الصلح وتمدّد باتجاه الصيفي والأشرفية، خرج علينا من شاشة إحدى المحطات أحد كتبة التقارير، ليهوّل على اللبنانيين بطول وقت المحكمة، أو ليهوّن على نفسه احتمالات أنه قد يكون في آذار المقبل أو ما بعده متهماً على لائحة المتورطين في جريمة العصر، أو أن يأتي ربيع لبنان وهو قابع في لاهاي..
التهويل والاستخفاف بالمحكمة، شأن مستمر، والذاكرة ليست قصيرة أبداً في الأعوام الممتدة ما بين الـ 2005 و2009. منذ اللحظة الأولى لمطالبة اللبنانيين بلجنة تحقيق دولية، تعالت أصوات أدعياء الوطنية بأنها تمس بالسيادة، يومها كان لبنان تحت الوصاية ولا سيادة له، وعرض علينا وهم إسمه الاستعانة بخبراء سويسريين محايدين!! ثم عرضوا علينا لجنة تحقيق عربية!!
إصرار اللبنانيين في 14 آذار 2005 أتى بلجنة فيتزجيرالد، التي وجهت أصابع الاتهام للسلطة القائمة بالعبث بمسرح الجريمة لمحو آثارها، مثلها مثل كلّ الجرائم السابقة التي اعتاد مرتكبوها "شطف الدماء" ورفع السيارات، مثلما اعتاد اللبنانيون زمناً طويلاً أن يسمّوا القتلة وأن يدفنوا قتلاهم بأسىً ودموع وصمت موجع..
وعندما جاءت لجنة التحقيق الدولية سخر الكثيرون من "إمكان" اكتشاف القتلة، وتمادوا في التشويش على عمل اللجنة بطريقة شديدة الهزل والهزال والسذاجة أيضاً، فقامت حرب على "ديتليف ميليس" واكبتها تلك الشائعات الركيكة عن والدته اليهودية المدفونة في الجولان!! وقبل أن يغادرنا "ميليس" وبُعيد اغتيال الشهيد جبران تويني، كانت "الحردة الشهيرة" لوزراء من لون معين من الحكومة لتعطيل ضم جرائم التفجير والاغتيال الأربعة عشر إلى ملف التحقيق الدولي… كانت أشلاء جبران ورفيقيه ودماؤهم ما زالت على الطريق.. ومنذ مجيء ميليس نبتت نغمة "تيئيسيّة" للبنانيين بأن إقرار المحكمة وقيامها سيأخذ زمناً طويلاً، ومع هذا لم ييأس اللبنانيون..
بعدها جاءنا سيرج براميرتس، والمحزن المضحك في آنٍ معاً، أن البعض يظنّ أن ذاكرة الناس منقطعة، يومها جاء التعطيل الثاني والتام للحكومة لمحاولة إيقاف إقرار المحكمة الدولية، فانسحب وزراء طائفة بكاملها لتعطيل المحكمة باسم الشراكة ـ وعجيبة هذه الشراكة في مفهومها التعطيلي ـ ثم جاء إقفال مجلس النواب لمنع إقرار المحكمة، ولم ننسَ أن رئاسة المجلس رفضت تسلّم المرسوم من الحكومة اللبنانية بتلك الحجة الشهيرة "الحكومة البتراء"، ثم جاء إقرار المحكمة تحت الفصل السابع..
ثم جاءنا "دانيال بيلمار" فقيل لنا إن التحقيق غير جدي وأن هذا التبديل في المحققين الدوليين وتعيين بدلاء جدد يؤكد أن لا جدية في التحقيق!! ثم قيل لنا ان استمرار التحقيق بعد بدء المدّعي العام بمهامه يعني أن اللجنة تفتقد إلى أدلة دامغة!!
الآن "حان وقت المحكمة"، وما أسرع ما مرّ وقت الانتظار انتصاراً للشهداء وللحقيقة وللعدالة، أربع سنوات ولم يملّ اللبنانيون من الانتظار، والأول من آذار المقبل على الأبواب، والحديث عن وقت المحكمة الذي قد يستغرق سنوات عشر هو محاولة جديدة لزرع اليأس في قلوب الناس التي لن تيأس، والفرق بين الشعب اللبناني وبين هؤلاء المهوّلين ـ ربما لأنهم متورطون ويظنون أنهم يبعدون عن شفاههم كأس العدالة المريرة ـ الفرق بيننا وبينهم أنهم سيكونون في لاهاي خلال هذه السنوات العشر أو العشرين.. ولم لا، فلتستمر المحاكمة ربع قرن من الزمان سنحمّلها أمانة لأولادنا، فيما سينتظرون هم خلف القضبان، ويتمنون لو أن المحكمة أصدرت أحكامها "في يوم في شهر في سنة"، حتى لا تمرّ عليهم سنوات طويلة في انتظار حكم العدالة..
أما الذين يسارعون إلى توظيف أجواء المنطقة التصالحية لصالح تسوية وهمية، فنقول لهم: "كان عمر البشير أشطر"!! وكل دول العالم العربي، بل العالم لن تستطيع أن تمنع قاضٍ من إصدار قراره بحقه وبما يمليه عليه ضميره.. كثيرون اعتادوا أن يرتكبوا الخطايا والجرائم استهتاراً بالله وخلقه، أولاً لأنهم يحسبون أنفسهم آلهة يحيون ويميتون، وثانياً لأنهم لا يصدّقون أن هناك الدار الآخرة التي سيحاسبون فيها!!
المحكمة آتية وسيتمنى هؤلاء أن يكون عقاب عدالة الأرض أقل لظى من عدالة السماء.. وسيغني اللبنانيون كثيراً هذا المشهد الرحباني المسرحي من مسرحية "الشخص" أو "الزلمي" لا فرق: "لمحكمة جايي .. جايي المحكمة"..