الفتنة مجهولة والمفتن معروف .. لكن الدولة مغيبة؟!
بدا كلام البعض على الفتنة بمستوى الجهل المطبق، كأنهم يرونها بضاعة مستوردة او يريدون تنزيه الشارع اللبناني عن الضلوع فيها، مع علم هؤلاء المتكلمين "ان المرتكب معروف". ومع علم هؤلاء "ان مهمة المفتن في الشارع وفي سواه مدروسة وما وجد الا للقيام بما يقوم به". ومع قناعة بعض هؤلاء بانهم غير قادرين على لجم الفتنة (…) ولا الدولة مؤهلة لان تحصل حقوق من يقع في براثنها؟!
والذين يقولون انهم ضد الفتنة، يظهرون في بعض تصرفاتهم ومواقفهم وتفسيراتهم لها ان "خصومهم براء منها" . وهي حجة بعيدة من المنطق، خصوصا ان التجارب السابقة لم تكشف عن فاعل ولم تلجم معتديا ولا اعادت الحق الى اصحاب الحق، لاسيما عندما يسقط قتلى وجرحى وتتفاقم الخسائر المادية والمعنوية، بدليل "فتح باب التعويض من خزينة الدولة" بمعزل عن اي قرار قضائي – عسكري وامني باستثناء ما يقال عن "بيانات احصاء الاضرار"!
قبل 14 شباط من العام 2005 يوم استشهاد الرئيس رفيق الحريري، كانت الامور السياسية وغيرها "قيد المراقبة" لاسباب معروفة. وفي مرحلة ما بعد "زلزال الاغتيال السياسي" واعادة جدولة التحالفات في البلد، ضاعت المراقبة وتحولت الى فعل من دون رد فعل، بل الى فلتان سياسي – امني حصد قيادات سياسية وحزبية وفكرية مع من صادف وجودهم في الامكنة المستهدفة(…)
صحيح ان الحديث عن تطورات معينة قد يغضب البعض، غير ان البعض المشار اليه يعرف كيف يدافع عن نفسه، كما يعرف كيف يرد الصاع صاعين. كذلك، اثبت البعض المعني ان "الدولة كسلطة ومؤسسات واشخاص ودستور وقوانين في آخر اهتماماته"، وقد دلت التجارب على وجوب من لا يعني له الكلام على فتنة ومفتنين شيئا، خصوصا انه "عندما ينزل الى الشارع تتعطل لغة الكلام معه". وهذه احداث ماقبل مهرجان ذكرى 14 شباط وخلاله وبعده، ابشع دليل واقعي على ان الفتنة تعني للبعض شيئا غير الذي تعنيه للبعض الاخر(…)
وما قد يثير التساؤل والامتعاض والانتقاد في آن، هو اصرار بعض القيادات السياسية على تقبل الضربات التي توجه اليها والى من يماشيها بحجة انها "ترفض الفتنة". وهي عندما تنتهج هذا السلوك الحضاري، تعرف ان غيرها منساق وراء العكس تماما، ليس لانها حكيمة وراقية ومتفهمة ربما، بل لافتقارها الى مسلكية جوابية مختلفة وبحجم ما يصيبها تكراراً!
ان من ينساق وراء عرض العضلات يعرف ان وسائل مواجهته منعدمة بحكم التجارب، فضلا عن ان اصحاب العضلات المشار اليهم لا تعنيهم الحكمة والرقي والتفهم شيئا، طالما ان العضلات لم تحقق لغيرهم ما يجب الوصول اليه من سلوكية حضارية؟!
اما "السهل السياسي الممتنع" فيدل بدوره على انه ليس افضل من الاستنكار حتى ولو اقتضى الامر مماشاة المستنكرين الذين لم يصلوا يوما الى حد استيعاب ما يتعرضون له، اضافة الى ان "الاستنكار والتنديد والشجب كلام في الهواء ليس من يتكل على نتائجه"!
هذا الواقع يشير بالتأكيد الى ما حصل يوم 14 شباط كما يشير الى ان "لا الدولة قادرة على لجمه.. ولا من يعنيه الامر في وارد وقف التعاطي بمثل هذا النوع من الشد السياسي والامني". اما اولئك الذين تتقصدهم "لغة الشارع" فليس من يتوقع منهم سوى التمسك بمقولة "رفض الفتنة"، ربما لانهم مقتنعون بوجود "فتنة جوالة" او لانهم غير قادرين على تقبل ما هم فيه من عدم قدرة على الرد"؟!
اما حادث خطف المهندس جوزف صادر وهو في طريقه الى مكان عمله في المطار، فالكلام عنه له نكهة سياسية – امنية مختلفة، سبق للسلطة ان "استطعمتها" في حوادث مماثلة من دون ان تتصرف، ليس لمجرد انها لم تعرف بما حصل، بل لانها تعرف ولا تريد الاعتراف بانها عاجزة عن القيام بواجباتها!