منطق
صحيح تماماً القول يا إخوان، إنه لا يكفي أن يلقي أحدهم خطاب تهدئة فيما حلفاء له يستمرون في إلقاء خطاب آخر.. توتيري وتصعيدي. وصحيح تماماً أن الحلفاء من حيث المبدأ، يُفترض بهم أن يدقّوا على دفّ واحد، وأن يرطنوا ببلاغة سياسية آتية من بيان واحد، وأن يعزفوا على أوتار نغمة واحدة كي لا يبان النشاز خادشاً للسمع… والذوق الرفيع.
غير أن ذلك القول، يفترض أن يسري على الجميع، وأن تُعمّم مواصفاته بدقّة على كل المعنيين طالما أنه نتاج قرار سياسي يأخذه حلفاء في "خط" واحد ومستقيم، وطالما أنه يُقابل من الجهة الأخرى بالمنهج نفسه. أما أن يُقال ذلك، في معرض تبرير اعتداءات دموية فذلك خلط في غير موضعه، وإلا لكانت كل جملة تُقال من بعض أبواق مخابرات الشقيقة عبر محطات التلفزيون، مبرراً كافياً لينزل من يريد من أهل هذه المنطقة أو تلك الى الشارع ليقطعوه بالحديد والنار، رداً على التطاول الفظّ على رموزهم وشهدائهم، والأمثلة أكثر من أن تُحصى في عجالة واحدة.
يؤخذ كلام قيل في مناسبة 14 شباط وبقي في إطار سياسي معقول ومقبول، بعيداً من الإسفاف والتطاول الشخصي.. باعتباره (يا لطيف) خطاباً تصعيدياً برّر انفلات الشارع… ويُغضّ النظر عن كلام يُقال يومياً وأسبوعياً للبعض في 8 آذار ولأوثق حلفاء "حزب الله" لا علاقة له لا بالسياسة ولا بالأخلاق ولا بالأذواق ولا بالأشواق ولا بالأعراف المتبعة بين الناس وبين المتخاصمين والمختلفين، ولا يمكن رصفه تحت أي بند أخلاقي في كتاب التربية المدنية، بل لا يمكن في أحيان كثيرة السماح لمن هم دون الثامنة عشرة بالاستماع إليه!
لمنطق العدالة مفردات عامة ومعممة وإلا ما كان كذلك. ولمنطق العدالة أحكام معروفة وواضحة ولا تحتاج لكثير تفسير وتبيان. وذلك المنطق يفترض أن يُستخدم من دون التباس وفي موضعه وزمنه، خصوصاً أن الخط السياسي الواحد لا يزال يربط بين الفرقاء المعنيين كلٌ في نطاقه، ولم نسمع بعد أن اختراقاً كبيراً قد سُجّل هنا أو هناك يبرر تميّز خُطَب أهل الخط الواحد وتناقضها الشكلي والأخلاقي الى حدود قصوى ومعيبة في أحيان كثيرة.
.. إلا إذا كان البعض في 8 آذار يعتبر نفسه غير معني بالتهدئة، وغير ملتزم بأدبياتها وفروضها، وبالتالي غير موافق في الأساس على منطق التسوية بين الناس والمذاهب والطوائف، ويعتقد أن كل ذلك غير صحيح ولا يجوز وأن الأصح والأكثر جوازاً، هو أن تدور السكاكين على الرقاب، وأن "يعرقن" المناخ السياسي والمذهبي اللبناني وأن تُعمّم عدة القطع والقص والرفس بالمقلوب، وأن تصبح المدارس والكليات والجامعات مسالخ بشرية بدلاً من أن تكون تدريباً يومياً على العلم والحياة، وأن يُعمّم الخراب بإسم الممانعة وأخواتها، بدلاً من أن يحاول المختلفون الاتفاق على تنظيم اختلافاتهم بالتي هي أحسن، طالما أن أحداً منهم لن يذهب الى أي مكان آخر؟
… وكل ما سبق يا إخوان ينطلق من كون كاتب هذه السطور مصاباً بعلّة طيبة القلب وتصديق كل ما يسمعه. والله أعلم!