#adsense

من وراء الاعتداءات الأخيرة ما دام الجميع يندّدون بها؟

حجم الخط

من وراء الاعتداءات الأخيرة ما دام الجميع يندّدون بها؟
الخلاف على حكومة ما بعد الانتخابات يطرح موضوع النظام

إذا كان بعض المشاركين في الذكرى الرابعة لاستشهاد الرئيس الحريري ورفاقه تعرضوا للاعتداء وهم في طريق عودتهم الى قراهم، فما الذي يحل ببعض المشاركين في الانتخابات النيابية المقبلة عند ذهابهم الى صناديق الاقتراع او عند عودتهم منها؟

الواقع، انه لا يكفي الاجماع على استنكار ما حصل والتنديد به، انما ينبغي معرفة هوية المعتدين، وهل ينتمون الى احزاب او تيارات ام انهم طوابير خامسة تحركها ايد خفية من الداخل او الخارج، ومسؤولية كشفها تقع في الدرجة الاولى على اجهزة الامن وفي الدرجة الثانية على كل الاحزاب لاسيما تلك التي تسيطر على المناطق التي وقعت فيها الاعتداءات، لانه ما لم تعرف هوية المعتدين لمعاقبتهم، فان الانتخابات المقبلة قد تكون مهددة بخطر تأجيلها وذلك إما بافتعال احداث شبيهة باحداث 7 ايار قبل موعد اجرائها لتعطيلها، وإما بعد اجرائها اذا كانت نتائجها لا ترضي هذا الطرف او ذاك… فاذا كان المعتدون ينتسبون الى احزاب او تيارات، فينبغي منذ الآن معالجة وضع هؤلاء وضبطهم بواسطة القيادات المسؤولة عنهم، واذا كانوا لا ينتمون اليها بل تحركهم ايد خفية ليلعبوا لعبة تعكير الامن في البلاد، وتعطيل الانتخابات، فينبغي ان يتعاون الجميع رسميين وغير رسميين على اعتقالهم وانزال اشد العقوبات بهم.

واذا كان الخطر يتهدد امن الانتخابات، سواء قبل اجرائها او بعد اجرائها وفي ضوء نتائجها، فان النظام اللبناني قد يصبح هو ايضا في خطر بعدما ظهر الخلاف الشديد بين قوى 8 و14 آذار على تطبيق هذا النظام، وقد ذكّى هذا الخلاف موقف الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في كلمته لمناسبة ذكرى استشهاد القيادي عماد مغنية ومطالبته بتشكيل حكومة وحدة وطنية ايا يكن الفائز بأكثرية المقاعد النيابية في الانتخابات المقبلة، "لان لبنان ليس سويسرا"، كما قال لكنه لم يقل اي لبنان هو؟ هل هو لبنان النظام السوري ام النظام الايراني ام النظام المصري ام النظام الاردني، او اي نظام في دولة عربية يجب اعتماده. وفي هذه الدول انظمة شمولية او حزبية او عسكرية او اكثرية تحكم الاقلية، واحيانا اقلية تحكم الاكثرية بالقمع والقهر…

وما دام مطلوبا ان تقوم في لبنان حكومة وحدة وطنية يتمثل فيها جميع القوى السياسية الاساسية في البلاد، فلماذا اجراء انتخابات اذاً، ولا يصير توافق على تشكيل هذه الحكومة، وما دام دور الاكثرية بعد هذه الانتخابات سيكون مثل دور الاقلية ان لم يكن اقل، اذا اصرت هذه الاقلية على فرض شروط مشاركتها في الحكومة وهددت بالنزول الى الشارع او فرضت على طائفة من الطوائف مقاطعة هذه المشاركة، لتحول دون تأليف الحكومة، وان هي شاركت، فان مشاركتها تتحول الى مشاكسة والى استخدام الثلث الذي تمثله في الحكومة لتعطيل كل ما تريد تعطيله من قرارات.

وقد شهد اللبنانيون على مدى سنوات نموذجا من نماذج التعطيل بسبب الاقلية المعارضة في تشكيل الحكومات، وفي ازمة الانتخابات الرئاسية، وعند اتخاذ القرارات المهمة لاسيما تلك التي كانت تتعلق بالمحكمة ذات الطابع الدولي، وفي اللجوء الى الشارع وليس الى المؤسسات لحسم الخلافات، خصوصا بعد اقفال ابواب مجلس النواب، وفي رفض اقرار المشاريع التي صدرت عن الحكومة السابقة لان الاقلية اعتبرتها غير شرعية. وهي لا تزال حتى الآن موضوع خلاف وبينها مشاريع مهمة تتصل بمؤتمر باريس – 3 وتجري محاولة تسوية هذا الخلاف بتحويل هذه المشاريع الى اقتراحات قوانين يتقدم بها النواب…

ان اصرار قوى 8 آذار والمتحالفين معها على تشكيل حكومة وحدة وطنية ايا يكن الطرف الفائز بالاكثرية يطرح اسئلة وتساؤلات عدة منها:
اولا: هل المطلوب تعطيل العمل بالنظام الديموقراطي في لبنان وهو النظام الذي تعمل به دول كثيرة متقدمة لانه يجعل الاكثرية تحكم والاقلية تعارض بقرار من الشعب اي من الناخبين، يحل محله نظام آخر يسمى "الديموقراطية التوافقية" التي لا ينص عليها الدستور، وقد فرضها "اتفاق الدوحة" كتسوية موقتة، مخالفة للنظام وللدستور وغير مقبول تكرار تجربتها، خصوصا بعد فشل تجربة تشكيل حكومة وحدة وطنية، عجزت عن اقرار التعيينات الضرورية الملحة، وعجزت حتى عن الاتفاق على مشروع الموازنة بسبب موازنة مجلس الجنوب، فما الذي يمنع ان يتكرر ذلك مع حكومات اخرى مماثلة… فتواجه البلاد مرة اخرى ازمة تشكيل حكومات وازمة انتخابات رئاسية كالتي واجهتها من قبل، لان الاقلية ترفض مرشحا للرئاسة من الاكثرية، والاكثرية ترفض مرشحا من الاقلية، فيجري التفتيش عن مرشح توافقي ترضى به الاكثرية والاقلية، وهذا اذا صح مرة، فقد لا يصح كل مرة…

ثانيا: هل المطلوب ضرب النظام الديموقراطي لاثارة خلاف على اختيار نظام آخر كي يصح القول ان لبنان لا يستطيع ان يحكم نفسه بنفسه وانه لا بد من وصاية دائمة عليه، فتأتيه هذه الوصاية من سوريا او من ايران او من مجموعة دول!!

ثالثا: هل المطلوب اثارة خلاف حول اي نظام يريد اللبنانيون قبل ان تجرى الانتخابات، او بعد اجرائها وعندئذ تفتح ابواب الخلاف على مصاريعها بين من يتمسك بالنظام الديموقراطي، ومن يتمسك بالنظام "الديموقراطي التوافقي" الذي يقود شيئا فشيئا الى "فيديرالية الطوائف" وبين من يتمسك بدستور الطائف، ومن يتمسك بتعديل هذا الدستور والعودة الى اثارة النزاع حول الصلاحيات بين السلطات الثلاث، وتوزيع المقاعد الوزارية والنيابية ليس مناصفة بين المسلمين والمسيحيين مهما تبدل وضعهم الديموغرافي، بل مثالثة بين السنة والشيعة والمسيحيين…

رابعا: هل المطلوب، بايعاز خارجي، وضع البلاد امام معضلة حكم ايا تكن نتائج الانتخابات النيابية المقبلة وقد بدأت تلوح منذ الآن، لمواجهة خلاف جديد حول اتفاق الطائف، او الذهاب الى اتفاق دوحة آخر بحيث لا يكون حل مع استمرار هذا الخلاف الا بوضع لبنان تحت الوصاية…

لقد مارس لبنان النظام الديموقراطي منذ قيام الاستقلال ولم يعتمد اي نظام آخر بديلا منه، فحكم "الحزب الدستوري" عندما فاز باكثرية المقاعد وعارض حزب "الكتلة الوطنية" الذي كان اقلية، وحكمت الاكثرية في عهد الرئيس شمعون وعارضت الاقلية، وكذلك في العهود الاخرى المتعاقبة، وحكم الرئيس سليمان فرنجية البلاد بصوت واحد لان الانقسامات كانت سياسية ولم تكن طائفية كما هي اليوم خصوصا وهي طائفية مسلحة، ولا شيء يعيد الوضع في لبنان الى طبيعته والى ممارسة الديموقراطية الصحيحة، الا بتجاوز الطائفية الى السياسة الحزبية الوطنية، بحيث لا يظل لكل طائفة حق "الفيتو" في اتخاذ القرارات، وليس سوى ان تحكم الاكثرية وتتحمل المسؤولية ويحاسبها مجلس النواب او الناخب كل اربع سنوات فيجدد لها او يحولها اقلية، لان جمع الاكثرية والاقلية المنافسة لها داخل الحكم، هو اشبه بجمع النار والزيت…

الا ان استدراك السيد حسن نصرالله بالقول: "اذا اصر الطرف الآخر على عدم المشاركة فان المعارضة الحالية ستقوم بتشكيل حكومة وتقديم نموذج جديد لحكم وادارة لبنان يحقق الاماني والآمال، يفتح باب العودة الى ممارسة الديموقراطية الصحيحة التي تجعل مجلس النواب يحاسب والشعب يسائل في كل انتخاب فاما يؤيد هذا النهج ويجدد للاكثرية او يعارضه فيجعل الاقلية المعارضة تتحول اكثرية". وهو ما جعل النائب سعد الحريري رئيس كتلة تيار المستقبل يقول: "ان في لبنان وضعا طائفيا ومذهبيا خاصاً يجب ان نراعيه ولكن هذا لا يعني ان نكرس الطائفية على حساب الديموقراطية".

المصدر:
النهار

خبر عاجل