بين اغتيال زين الدين والاعتداءات المتنقلة و "أمن" الانتخابات
14آذار والانتصار على الفتنة
أتت الجريمة التي أودت بحياة المواطن لطفي زين الدين بُعيد إحياء الذكرى الرابعة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، لتعيد إلى الأذهان الهاجس الأمني الذي لا يزال متقدماً على وجوه الأزمة الأخرى، سياسية أم اقتصادية، لما له من علاقة عضوية ومباشرة باستحقاق الانتخابات النيابية، بما يطرح علامات استفهام مقلقة بشأن حصول هذا الاستحقاق في موعده المحدد في 7 حزيران المقبل.
لكن من نافل القول إن هذه الجريمة المروّعة، والتي تزامنت مع "موجة" من الاعتداءات المماثلة على عدد من مواكب المشاركين في إحياء الذكرى لدى عودتهم الى مناطقهم ما أدى الى سقوط عدد كبير من الجرحى ومع كلام تحريضي فيه تطاول على شهيد 14 شباط وذكراه، تشكّل مؤشراً لوجه المرحلة "الأمني"، وتظهر بوضوح أن الجهات المجهولة ـ المعلومة التي تقف وراءها مصرّة على إبقاء الوضع الداخلي في دائرة التلويح بالفوضى وعدم الاستقرار، بما يبقي الباب مفتوحاً حيال كل الاحتمالات المتعلقة بالانتخابات، تعطيلاً أو تأجيلاً.
وللتذكير فعشية الذكرى، تحدث الجنرال ميشال عون مطولاً عن "الشهيد الذي استهلك قيمته وأصبح فَقيد العائلة ولم يَعد شهيد الوطن"، وقال ـ للتاريخ ـ "قبضتوا حقه ولا تعيدوها"، ثم عاد غداة الذكرى للقول تعليقاً على مأساة قتل زين الدين "على من يمر بمواكب أن لا يستفز الناس"، وثمة من يقول إن هذه الحملة سوف تتصاعد تحريضاً وافتراء كلما ضاقت الفترة الفاصلة عن موعد الانتخابات في الربيع المقبل.
الجريمة والتوقيت
في البداية، ومع افتراض "جهالة" أو "تجهيل" الفاعل، لا مهرب من الإقرار بأن جريمة قتل الشهيد زين الدين توفرت فيها كل عناصر استحضار الفتنة الداخلية، فمن جهة ينتمي الضحية الى "الحزب التقدمي الاشتراكي"، وقد قتل غيلة بعد مشاركته في إحياء ذكرى 14 شباط من جهة ثانية، وسبق أن استهدف الجبل غير مرة بحوادث تحمل ذات المضمون، بمعنى أن هذه المنطقة مستهدفة بالترهيب الحاصل، ثم ان تكرار أعمل الشغب المنظم بالتوازي مع كل محطة أو قبلها أو عقبها يثير المزيد من الهواجس والأسئلة من جهة ثالثة.
أمام هذه الملاحظات الأولية، يمكن عقد مقارنة بين جريمة اغتيال زين الدين، وجريمتي وطى المصيطبة التي راح ضحيتها "الزيادان" (2007)، ثم اغتيال الشيخ صالح العريضي في عاليه (2008)، لتؤكد انطباق كل شروط إحداث الفتنة واستجرار الفوضى إلى الداخل اللبناني. فهذه الجرائم، بحسب أوساط متابعة، تشكّل استفزازاً للدروز، وتحديداً لأنصار ومحازبي "الاشتراكي" وأيضاً لأنصار الأكثرية في تلك المنطقة وتدفع بهم في ظل المناخ القائم في البلاد، أي مناخ التحريض والتعبئة إلى الاستنفار ضد الطائفة التي ينتمي إليها المشتبه بهم في الجريمة.
بمعنى أوضح ان هذه الجريمة كانت كافية لإيجاد حالة استنفار طائفي كبير ومتقاطع درزي ـ شيعي ودرزي ـ درزي، تماماً كما كان مخططاً لجريمتي وطى المصيطبة وعاليه، ومن قبلها أحداث 23 و25 كانون الثاني 2007، ومن بعدها أحداث 7 أيار 2008 في بيروت أن توجد أيضاً استنفاراً سنّياً ـ شيعياً يكون مقدمة للفوضى وهزّ السلم الأهلي.
ما يساعد على تأكيد هذه القراءة لظروف الجريمة (والاعتداءات الأخرى) أو تنسيبها إلى هذا المناخ في ملابساتها وأهدافها، هو توقيتها أيضاً، إذ لا يخفى أنها حصلت في مرحلة يبدو فيها واضحاً أن قوى الأقلية باتت تدور في حلقة مفرغة سعياً للهروب من نتائج انتخابات ربيع 2009، بعدما بات في حكم المؤكد ان مساعي تأجيلها لم تنجح وأن مؤشرات نتائجها لا تبتعد كثيراً عن تلك في صيف 2005، وبالتالي وصلت إلى حالة هي أقرب إلى فقدان السيطرة.
ولكن الأهم، والكلام للأوساط نفسها، أن قوى الأقلية ومن وراءها اصطدموا في كل مرة بالسياسة التي تعتمدها الأكثرية في التعاطي مع محاولات استفزازها. أي الموقف المؤكد على التمسك بالدولة وأجهزتها والمشدّد على صون الاستقرار ودرء الفتنة وقبل ذلك وبعده على حماية التنوع اللبناني، وفي أساسه وقف الفرط الممنهج للدولة وتأكيد التمسك بإعادة بناء الجسم السياسي ديموقراطياً من مدخل الانتخابات النيابية وبما تقتضيه من الرضوخ الى النتائج التي تفرزها صناديق الاقتراع.
جنبلاط ـ الحريري ورفض الفتنة
حيال جريمة رأس النبع ـ بشارة الخوري، كيف تعاطى رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط والأكثرية؟ لم يخرج جنبلاط عن سياق المواقف السياسية والعملية التي اتخذها حيال الجريمتين الأخريين. كيف؟ أدرك أن ثمة من يستعجل الفتنة ويريد تفجيرها، وأن هناك متضررين من مشهد وسط بيروت إذ أعاد جمهور ساحة الحرية تصويب التوازن الوطني في يوم الوفاء لرفيق الحريري، فدعا الى ضبط النفس والهدوء والتفكر والحكمة، ولكنه أيضاً دعا الى الالتزام بموجبات القانون وسيادة الدولة والثقة بالجيش وتسليم الأمر للقضاء وعدم الانزلاق الى أي فتنة بالرغم من حجم المأساة.
وبالتالي يمكن القول انه وكما أحبط جنبلاط محاولات الاستدراج للفتنة في الجبل مرتين، وكما فعل رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري في أعقاب أحداث بيروت مرتين أيضاً؛ كذلك فعل مجدداً أمام حزن وغضب أهالي بلدة الشبانية، بالتشديد على رفض الانجرار الى الاستفزاز، واللجوء الى تحكيم ما يعزز منطق الدولة، لا بل خاطرا شخصياً من أجل الوقوف على خواطر أهل الشهيد وأهالي البلدة وللتهدئة.
وغير بعيد، فان النائب الحريري يدرك مسبقاً ان الحملات الراهنة والمقبلة انما هي ضريبة الموقع والدور والوظيفة الوطنية والتاريخية لـ "تيار المستقبل" من جهة، وهي ايضاًَ وايضاً ضريبة الانفتاح الوطني والمصالحات من جهة ثانية، وهو يعرف أن اصحاب هذه الحملات، في لحظة الافلاس والانكشاف، هم من يسعى للعب على العواطف الطائفية واستثارة الغرائز والعصبيات تعويضاً عن شعبية افتقدوها ومصداقية لم تصمد امام الوقائع، وهم من يتراكض اليوم سعياً لدعم جماعات ورموز مرحلة الوصاية.
ولعل هذه المواقف تحديداً، من قيادات الأكثرية، هي ما يغيظ أصحاب مشروع الفتنة. هم يريدون من قيادات الأكثرية أن تُستَفَز، أو بمعنى أوضح أن يتركوا خيار التمسك بالدولة والذهاب الى دويلات الأمن الذاتي فيؤدي ذلك الى تسويغ "فرط" الدولة وإدخالها في المجهول. وهو الأمر الذي تعيه 14 آذار جيداً، أي تدرك تماماً المخطط المتجدد، وفوق ذلك تؤمن بأن الشجاعة والقوة ليست في الفتنة والاقتتال الداخلي بل في رفض ذلك ومنعه والحؤول دون أسباب قيامه.
وعليه، فإن الموقف الذي التزمه الحريري وجنبلاط حيال عمليات الاستدراج الممنهج للفتنة، هو موقف صعب لكنه موقف وطني خالص، يجب تعميمه والتمسك به الى أن ييأس "الفتنويون" من مسعاهم.
أمن الانتخابات خط أحمر
تأسيساً على ما تقدم، تؤكد المصادر نفسها على جملة عناوين:
أولاً: ان جرائم القتل والترهيب إنما هي نتاج طبيعي لسياسة التهديد والتخوين، وهي أيضاً نتاج لعمليات توزيع السلاح الواسعة التي قامت وتقوم به جهات معروفة تحت مسميات وعناوين عدة وما جرى هو بعض نتائجها.
ثانياً: تستحضر هذه المصادر عدداً من الحوادث لا تقل في مدلولاتها عن المناخ المشار إليه، كخطف الموظف في شركة طيران الشرق الأوسط المهندس جوزف صادر على طريق المطار، وما رافق هذا الأمر من بلبلة اعلامية، وكذلك القاء القنابل المجهولة على مراكز حزبية وفي عدد من المناطق.
ثالثاً: ولعله الأبرز، ان الأمن في البلاد بعد هذه الجريمة وقبلها يمثل التحدي الأبرز أمام القوى الأمنية والجيش في ظل الظروف والملابسات التي سبق ذكرها والى حين انجاز الاستحقاق الانتخابي، اذ تحدي تأمين "أمن" هذه الانتخابات، والحال هذه، قد يكون بأهمية نتائجها بما يعصم لبنان من مزالق الفتنة.
لكن السؤال الرئيس هو الى متى يستطيع جنبلاط والحريري احتواء هذه التحديات والتأثير على غضبة الناس، وهل ثمة من يعي ضرورة استكمال التهدئة التي يعملان عليها بخطوات عملية جدية للحؤول دون تكرار ما حصل؟.