شعرة الطائف والحد بين مفصلية الانتخابات ومصيريتها
يستمر السجال وسط هدوء نسبي حول مفاهيم أن تكون الانتخابات النيابية المقبلة مصيرية أو مفصلية ويجتهد كل فريق في تقديم المبررات التي تجعل من وجهة نظره حقيقية قائمة من غير إسقاط إمكانية وجود قواسم مشتركة بين مفهومي المصيرية والمفصلية. وإن استخدام هذين التعبيرين لا يندرج في إطار الحملات الانتخابية التي يطلقها البعض، فثمة التباس من تبيان طبيعة المعنى تبعاً للمرجعية التي تقدم على أساسها الأفكار والمفاهيم.
مصدر سياسي مطلع يميل الى تحديد المرجعية التي تسمح لهذا الفريق أو ذاك القول أن الانتخابات النيابية مصيرية أو مفصلية. ففي عملية التدقيق بمعنى المفصلية يخشى محازبوها من أن يعمل الفريق الآخر "المصيري" على إحداث انقلاب في طبيعة النظام والإطاحة بالثوابت الوطنية التي نص عليها اتفاق الطائف مثلاً، حيث يرصد في هذا المجال أن المفصليين والمصيريين يرغبون في أن يبقى اتفاق الطائف هو المرجعية. ويشير المصدر الى ما أعلنه النائب سعد الحريري في ذكرى الرابع عشر من شباط وفي معرض تفسير فكرة الانتخابات المصيرية ".. إن الطائف سيبقى لنا القاعدة التي نجدد من خلالها وفاقنا الوطني، الطائف.. الطائف الطائف.."، وأضاف الحريري تفسيره وفريقه للطائف فقال بقيام دولة حرة مستقلة قادرة ومسؤولة عن إدارة شؤونها وحماية حدودها وسيادتها واستقرارها ونموّها الاقتصادي.. ويدعو الحريري في هذا الإطار الى اعتبار الانتخابات مناسبة للإجابة عن الأسئلة المصيرية معتبراً أن التزام نصوص الدستور وتفعيل النظام الديموقراطي البرلماني وإعادة الاعتبار الى السلطة والحؤول دون تكبيل المؤسسات الدستورية بالقواعد الاستثنائية من مهمات من يعتبر أن الانتخابات النيابية المقبلة مصيرية لأن ما جرى من إطاحة للدستور والطائف استطراداً أدى الى المأزق السياسي الذي يعيشه البلد بكل مؤسساته.. فالمصيريون يدعون في حال فوزهم في الانتخابات الى إطلاق حوار جديد أو المضي في الحوار الراهن حول هذه العناوين ودائماً على قاعدة مرجعية الطائف.
ويتوقف المصدر عند ما يعلنه رئيس المجلس النيابي نبيه بري على اعتبار أنه يمثل بامتياز المفصليين حيث يقول "إن الانتخابات ليست مصيرية ولا يتقرر فيها مصير لبنان الذي لا يستطيع العيش من غير توافق.. فالانتخابات تصلح ما في داخل البيت اللبناني الموجود.. فالوطن موجود ومن يربح الانتخابات يستطيع ترميم البيت داخل الوطن. ويضيف الرئيس بري "لا يجوز اللعب بالتوافق الداخلي بين المسلم والمسيحين الأمر الذي يؤدي الى هدم كل مقومات الدولة". وما لم يشر اليه الرئيس بري اوضحته مصادر قريبة منه وذلك في معرض البحث عن مرجعية هذا الموقف، فقالت ان عزوف البعض عن المشاركة في الحكم اذا لم يحقق اكثرية في الانتخابات المقبلة ضرب لاتفاق الطائف الذي يعني الشراكة والمشاركة حيث لا يمكن العيش سوية الا انطلاقا من مفهوم الديموقراطية التوافقية من غير ان تشير الى نموذجها الحكومي.
وأمام هذا الفهم المختلف لاتفاق الطائف يستذكر المصدر ما قاله رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط حول مرجعية الطائف حيث اعتبره ثابتة لا يمكن اخضاعها لمنطق التسوية شرط استكمال عناصره وتحريره من نظام الطوائف. فلجنبلاط موقف تفسيري لاتفاق الطائف.. فصحيح انه لم يشر الى مسألة حصرية قرار الحرب والسلم في يد الدولة، لكن هذا الشعار ترجمة عملية لمنطق الدولة والمؤسسات الذي يتضمنه الاتفاق حيث لم يسقط الحاضنة العروبية له وسط تمسك بمنطوق الطائف الذي تحدث عن التزام اتفاق الهدنة مع اسرائيل.
وبين هذا الرأي او ذاك يعتبر المصدر ان موقف حزب الله يؤشر الى حقيقة موقف فريق الثامن من آذار من مسألة مصيرية او مفصلية الانتخابات. فالحزب يريد بقاء "لبنان المقاوم" والانتخابات تقرر وجهته وموقعه وهويته وذلك بمعزل عن الطائف والدستور والمؤسسات. فهو يتمسك بموقفه من الدولة التي يدعو الى قيامها بقوة وعدالة من غير ان يرفدها بمصادر القوة والعدالة. فالثابت هو لبنان حزب الله.. المقاوم وكل شيء في البلد يجب ان يسخر لهذا اللبنان ومنه الانتخابات وابقاء البلد على ما هو عليه. ويضيف المصدر ان السيد حسن نصر الله أوضح بالأمس بعض مفاهيم التوافق فقال اذا نجحت المعارضة الحالية في الانتخابات فستدعو الأحزاب الى المشاركة واذا اصروا على رفضها سنشكل حكومة ونتولى مسؤولية ادارة البلد ونقدم نموذجاً للحكم… نصر الله الذي اعتبر هذا الموضوع حقا له لم يقل بحق مشابه للأكثرية الحالية فيما لو حافظت او زادت من حجمها في المجلس النيابي رغم حديثه عن انه لو قامت حكومة من دون توافق وشراكة يجب ان تحكم بعقلية المصالحة الوطنية لا بالثأر والاستفزاز.
ويخلص المصدر الى اعتبار النقاش حول المصيرية والمفصلية ضرب من العبث في ظل غياب مرجعية للتفسير في ظل تمسك فريق الثامن من آذار بكل مقومات وجوده غير الشرعي على حساب الدولة والمؤسسات في مواجهة تمسك فريق الرابع عشر من آذار باتفاق الطائف وسائر المفاهيم الشرعية التي تحكم قيام تلك الدولة وبكل ما افرزته ممارسات ما يسمى بالمعارضة سواء داخل المؤسسات الشرعية من مجلس نواب وحكومة أو في الشارع بدءاً من احتلال وسط العاصمة على أساس أنه حق ديموقراطي لمن احتله مسروراً بما جرى في السابع من أيار وصولاً الى الحملات المستمرة من التشكيك والتخوين فضلاً عن التمسك بما يسمى مكتسبات الخط المقاوم وكلها على حساب الدولة بمفهوم الطائف ومرجعيته. وهذا أمر يتطلب حواراً جدياً حوله يسبق الانتخابات وإلا فليتح المجال أمام اللعبة الديموقراطية التي دعا الى قيامها النائب وليد جنبلاط وليقدم الرابح في الانتخابات مشروعه للحكم من غير أن يتعرض لثوابت الطائف والوفاق الوطني والعيش المشترك وليعرض الآخرون.. إنها الديموقراطية.. فالحد الفاصل بين المفصلية والمصيرية.. شعرة الطائف..