#adsense

الغفير الغفور

حجم الخط

"الغفير الغفور"

أن تذهب العائلات للعزاء وإحياء الذكرى بشيبها والأطفال، وبالألوان الزاهية، وقد طفحت الوجوه بالبشر والابتسامات، ولوحت الأيادي بالأبيض والأخضر والأحمر، فإنها تكون مبلسمة للجروح الغائرة، ومدخلة الفرح الى القلوب الحزينة.
هذا هو المعنى العميق للعزاء، بل هذه هي فلسفته البعيدة.

ولقد تجلى أمامي هذا فيما لاحظته من تبدل في تعابير وجه سعد الحريري بين مشهدين فصلت بينهما دقائق، أي بين الدموع التي اغرورقت بها العينان على ضريح أبيه وهو يقرأ الفاتحة، وبين الضحكة العريضة التي ملأت الوجه بمجرد أن أطل فرأى بالعين المجردة مئات الآلاف وقد اجتازوا وعورة الطرقات وتجاوزوا مخطار الاحتمالات والتهديدات، وجاؤوا على أنغام الموسيقى، وكورال طرابلس الفيحاء الذي يقوده مايسترو أرمني من عنجر، يغني للطفل في المغارة، ويرفع التسبيح والتكبير.

لا أعتقد أنه استطاع بناظره أو وجدانه التمييز بين المسيحيين والمسلمين، لأنه لم يستطع التمييز بين ألوان العلم المتموجة بفعل تموج العواطف والأيدي، كما لم تستطع الآذان أن تفرز إيقاع الأجراس عن وقع الأذان، بل ان معظم اللبنانيين التبس عليهم الأمر ان كان ذلك اليوم المشهود هو يوم السبت أو يوم السعد. ولكن بعض الوسائل الإعلامية التي أجهدت نفسها بالدخول الى هذه اللعبة باستنباط خانة المذهب من نوع الملابس وخطوط القسمات، لم تستطع أن تطمس أمراً في غاية الأهمية، وهو أن الإرادة المتفائلة العزلاء تستطيع أن تتخطى الوعيد والغضب والقوة الفائقة، بتآزر الجموع وتساندها لكي تجعل من الأصوات الفردية، صوتاً واحداً اختلطت فيه النبرات وتنوعت العقائر.

في تلك اللحظة أدرك سعد الحريري أن مسؤوليته التي تحملها بفعل الدم المهراق في 14 شباط 2005 قد اتخذت مسوغاً جديدا هو ضرورة تصويب النتائج السياسية للسابع من أيار، ليس على قاعدة الهجوم المضاد، وتسعير الانقسام، بل على القاعدة ذاتها التي عبّر عنها خطابه وهي أن الوطن لا يبنى على الشقاق بل على ديموقراطية الاختلاف في سبيل هدف مشترك، أي أن الافتراق في السياسة لا ينصب على الهدف، وهو لبنان عربي موحد مستقل، ديموقراطي ومزدهر اقتصادياً وقائم على العدالة الاجتماعية، بل على الطرق المعتمدة للوصول الى هذا الهدف، وان القضية الفلسطينية كانت منذ النكبة مدعاة وحدة، فحذار أن تؤول الى داعٍ للفرقة حتى لا تذهب ريحها وتذهب ريحنا معها.

وانه مما يلفت النظر، أن الفرقاء السياسيين المختلفين، يعبرون عن مناسباتهم بأسلوبين مختلفين، حيث شاهدنا الرابع عشر من شباط أقرب الى "الكرنفال" رغم ما تخلف عنه من آثار دامية وخطيرة، فيما شاهدنا السادس عشر من شباط في ذكرى الشهيد مغنية أقرب الى النظام المرصوص، وانا لا أعترض على طريقتي التعبير، بل أعترض على اعتبارهما خطين متوازيين لا يلتقيان إلا في "باطن الأرض" كما يقول علماء الرياضة، بما لكلمة باطن الأرض من دلالات تفضي بنا الى أن الخلاف مآله القبور، أما تكامل الوسائل، وتطعيم الابتسامة بالعزم وتمرين الحزم على الوداعة والسعادة، معادلة لا بد منها من أجل أن ننأى بوطننا عن أن يكون فرق عملة، في سوق التداول والبورصات.

لا أقول أن الرابع عشر من شباط هو رد على السابع من أيار، ولكنه إعلان صريح على ان القوة لها وسائلها وأشكالها المتعددة، فلا البندقية تلغي الإرادة ولا التظاهر يطغى على الحقائق البشرية والعسكرية والسياسية، فالتوازن الاجتماعي الدقيق الذي هو عليه لبنان يملي علينا أن نكف عن استهلاك الوقت والأجيال في صراع لا نتيجة له إلا إضعاف النسيج الاجتماعي، وتحطيم الدولة، وتقديم الخدمات الباهظة التكاليف الى أعداء لبنان والعروبة.

لقد جاءت الجماهير الى ساحة الحرية لكي تجدد رسالتها الى الجماهير التي لم تشاركها المناسبة، وهي أن رفيق الحريري ليس ملكاً لطائفة أو مذهب، بل هو دم لبنان الذي ما زالت تنبض به العروق لأنه يأبى أن يجف في النسيان، أو أن تكون مساربه في ناحية من لبنان دون بقية النواحي.
لقد جاء "الغفير الغفور" ليقول بالفرح والموسيقى هذه دماء الشهداء نقدمها مادة راصّة لعناصر الوطن، ولاصقة لعواطف المواطنين ومعادلة رشيدة لدولة وطيدة، مؤداها 7 أيار + 14 شباط = إعادة نظر!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل