الرسائل السياسية للمشاركة الشعبية الكثيفة في ذكرى الرابع عشر من شباط
تقلّص التأييد المسيحي لدعاة المحور السوري – الإيراني واتجاه لتأييد المرشحين الاستقلاليين
لم تكن الاعتداءات المنظمة التي نفّذتها مجموعات مسلحة تابعة لقوى الثامن من آذار وتخضع لأمرة المخابرات السورية مباشرة، على المشاركين في إحياء الذكرى الرابعة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري يوم السبت الماضي منفصلة عن سلسلة الاعتداءات المسلحة وممارسات الترهيب الأمني واحتلال وسط العاصمة وصولاً الى الاعتداء الشامل في السابع من أيار المنصرم، بل تندرج في إطار السيناريوهات المرسومة منذ خروج الجيش السوري من لبنان، لحمل اللبنانيين على تبديل خياراتهم الاستقلالية بالقوة، وإرغامهم على الاستكانة وتأييد القوى السياسية المؤيدة لنفوذ المحور السوري – الإيراني خلافاً لتوجهاتها الحقيقية·
ولذلك، لن تكون حصيلة الاعتداءات الجديدة مغايرة لحصيلة الإخفاقات السابقة التي مُنيت بها قوى الثامن من آذار، التي لم تعد تملك من الخيارات السياسية، ما تقنع به اللبنانيين المنكفئين عنها، سوى الاندفاع في مزيد من أعمال الترهيب والتعدي الأمني على المواطنين الأبرياء والعزّل خلافاً لكل التعهدات والمواقف التي تعلنها أمام الرأي العام اللبناني·
وكان أبلغ دليل على عدم فائدة هذه الأساليب الترهيبية المنظمة، كثافة أعداد اللبنانيين الذين لبّوا دعوة قوى 14 آذار، للنزول الى ساحة الحرية خلافاً لكل التوقعات والتقديرات، مما يعكس تمسك هؤلاء المشاركين بالمبادئ التي انطلقت على أساسها الانتفاضة الاستقلالية ضد النظام الأمني السوري – اللبناني قبل أربع سنوات، واستيائهم البالغ من كل الممارسات والاعتداءات وأساليب التسلط والاحتلالات التي مارستها قوى الثامن من آذار، خلافاً لكل أسس النظام الديمقراطي، لفرض سيطرتها بالقوة المسلحة على القرار السياسي اللبناني واخضاع كافة اللبنانيين لسيطرة المحور السوري – الايراني، خلافاً لشعورهم وقناعاتهم وتوجهاتهم الوطنية والقومية على حدٍ سواء·
فالمؤشر الاساسي والمهم للنزول الشعبي بكثافة من مختلف الطوائف والمناطق للمشاركة في ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، حملت في مضمونها رسائل عديدة أهمها:
أولاً: تخطي حاجز الخوف لدى اللبنانيين من كل ما قامت به قوى الثامن من آذار، منذ أربع سنوات وحتى الأمس القريب، بالرغم من كل الأذى الجسدي والنفسي والمادي الذي لحق بكثير منهم، من جراء الزج بسلاح <المقاومة> المخصص لمواجهة اسرائيل أساساً، في محاولات الترهيب الأمني وابتزاز الناس والدولة عموماً، وعدم اللامبالاة تجاه استمرار انتشار هذا السلاح في كافة الشوارع والمناطق اللبنانية، ومحاولة التخويف به، على أبواب الانتخابات النيابية المقبلة، واعتباره عامل تفوق على الاطراف السياسية التي ترفض التسلح والانجرار الى المعاملة بالمثل، كما ظهر ذلك بوضوح منذ العدوان الذي قام به <حزب الله> على العاصمة والمناطق في السابع من أيار المنصرم·
ثانياً: رفض اللبنانيين المشاركين في هذه الذكرى، لا سيما منهم المسيحيون الذين شاركوا بكثافة، لكل الطروحات والممارسات الهادفة الى تبديل توجهاتهم الوطنية، باتجاهات مؤيدة للمحور السوري الايراني، بما يتعارض كلياً مع قناعاتهم وثوابتهم الاساسية، وعلى حساب مصالح لبنان واللبنانيين والتي لا تتوافق مع مصالح وسياسة المحور المذكور، ما دلت الوقائع على ذلك من قبل·
ثالثاً: المنحى الذي ستسلكه الانتخابات النيابية المقبلة، في ظل استمرار الزخم الشعبي المؤيد لقوى الرابع عشر من آذار، التي تتمسك بالدفاع عن ثوابت انتفاضة الاستقلال بشراسة قل نظيرها، بالرغم من الاغتيالات وجرائم التفجير الارهابية وممارسات الترهيب المتواصلة، ضد رموز اساسيين فيها، وما ضحت به من خيرة قياداتها طوال الاعوام الاربعة الماضية في سبيل تكريس سيادة استقلال لبنان، ومنع عودة الجيش السوري من خلال تنظيمات وأحزاب المخابرات السورية، التي انتشرت بكثافة تحت شعارات مزيفة جوفاء، لتوفير هذه العودة، بالواسطة بعدما تعذر اعادة السيطرة على لبنان بالقوة العسكرية النظامية السورية، كما حصل خلال العقود الثلاثة الماضية·
هذه الرسائل، المؤشرات البالغة الدالة، لم تريح قوى الثامن من آذار، ولا من يحركها في دمشق وطهران على حد سواء، لأنها دلالات تقف حائلاً دون تحقيق اهدافها في السيطرة على القرار السياسي اللبناني من خلال الفوز في الانتخابات النيابية المرتقبة في شهر حزيران المقبل، خصوصاً بعدما اظهرت المشاركة المسيحية الكبيرة في ذكرى الرابع عشر من آذار، حجم الانكفاء الشعبي المسيحي الذي كان ملتفاً حول حليفها المسيحي، رئيس التيار الوطني الحر النائب ميشال عون، وتوجهه نحو وجهته الأساسية في تأييد القوى السياسية التي تتشبث بالدفاع عن ثوابت السيادة والاستقلال في الموقع السياسي المقابل·
ولذلك، كان الرد عشوائياً وبتنفيذ اعتداءات منظمة على المشاركين في هذه الذكرى، وهو ما زاد في النقمة السائدة على قوى الثامن من آذار، التي لم تعد تملك الخيارات السياسية المقنعة لإعادة تماسك اللبنانيين وجمعهم من حولها من جديد وتعويض التآكل الذي حصل خلال السنوات الماضية، وخصوصاً من حول حليفها الأساسي النائب ميشال عون، الذي يتخبط في حملاته على خصومه السياسيين، من دون تحقيق أي التفاف مرتجى من حوله، كما يرغب بذلك·