#dfp #adsense

قبل انهيار الدولة

حجم الخط

قبل انهيار الدولة
المحامي جورج ابو صعب

عشية الانتخابات النيابية المصيرية في لبنان وبدء اعمال المحكمة الدولية اعمالها نرى لزاما علينا كلبنانيين ان نتوقف قليلا للتفكير حول ما حصل وما سيحصل وما يمكن ان يحصل اذا ما استمر الوضع الداخلي الحالي على ما هو عليه.

لا ندري اذا كان هناك اي لبناني في صميمه يقبل او يرضى بان لا تقوم الدولة القوية الحضارية المعاصرة السيدة والحرة والمستقلة. لا ندري اذا كان هناك لبناني واحد يرفض تقوية دولته ومؤسساته الدستورية والقانونية والرقابية والعسكرية. لا ندري اذا كان هناك مواطن لبناني واحد لا يريد رؤية بلده ارض سلام ووئام، ارض بناء واعمار، ارض الانسان الحر والمثقف، ارض القيم الديمقراطية وحقوق الانسان، ارض جبران خليل جبران وقسم جبران التويني مسلمين ومسيحيين. لا ندري ما بال البعض من حاملي الهوية اللبنانية ومن منشأ لبناني وتربية لبنانية واصالة لبنانية ابا عن جد يقبلون اليوم بما يفعلونه تقويضا لاسس الدولة والنظام والبلاد ونحرا للانموذج الفريد الذي لطالما حسدنا عليه العالم ووصفه الراحل الكبير قداسة الحبر الاعظم البابا يوحنا بولس الثاني بانه رسالة فريدة للبشرية.

نتأمل هؤلاء اللبنانيين الذين يرفضون وطنهم اليوم ويذهبون في تنكرهم له حد الخيانة والارتهان والخضوع للخارج سواء القريب او الابعد، فقد نسوا اللبن الذي رضعوه والهواء الذي تنشقوه والارز الذي ائتزروه. وبعد … ماذا نقول؟

ليس عيبا ان يكون اللبناني معارضا… وليس عيبا ان يؤسس احزاب معارضة بناءة وهادفة. فايام الحرب الباردة بين الجبارين الرأسمالي والشيوعي كانت حتى الاحزاب الشيوعية في قلب الانظمة الاوروبية النيوليبرالية تسعى الى نشر افكارها ومعارضة انظمتها لكن تحت سقف الوطن الذي هم فيه والذي هم منه. فكانوا يسعون لنشر ارائهم وافكارهم لمصلحة دولهم وليس لمصلحة الاتحاد السوفياتي او الحزب الشيوعي السوفياتي. كان ماركس للشيوعي الفرنسي مفكرا فرنسيا وللشيوعي الايطالي مفكرا ايطاليا وللاسباني مفكرا اسبانيا لان الفكرة في خدمة الوطن وليس الوطن في خدمة الفكرة.

اما في لبنان فقد بات للبعض من اللبنانيين اي احد من الخارج اهلا لقيادته وتوجيهه على مصلحة وطنه على اي من الداخل. فالطلاق الفكري سبق لدى البعض فعل الانفصال عن روح الوطن والوطنية، تارة باسم التغيير وتارة باسم الاصلاح وتارة باسم المقاومة التي باتت مجهولة باقي الهوية وتارة باسم المعارضة وطورا باسم المشاركة. فنرى المشاركة بمفهوم جديد مفهوم المشاركة والعصيان، مفهوم الحوار والتشبث، مفهوم المواطنة والارتهان لما هو ابعد من الوطن، مفهوم حب الوطن اكثر لدرجة قتله اذا احبه الاخر اكثر. ومفهوم الدين انقلب الى اكراه، للتستر وراء المقدسات في سبيل فرض خط غريب عن اصالة لبنان وتاريخ لبنان واديان لبنان. فيكاد الوطن يضيع لتضيع معه الهوية الدينية لابنائه.

ان تقول "كلا" حق مشروع في بلادي لكن ليس لمجرد ان تقول "كلا" ولو احرقت البلاد، فالموقف سلاح الحكماء والمتنورين فيما العنف والتعنيف سلاح الضعفاء لان من لا يقوى على اقناع الاخر برأيه بالمنطق لن يقوى على اقناعه بترسانات العالم اجمع العسكرية. اوليس هذا النمط في المنطق اساس فكر المقاومة ضد اسرائيل؟

فكيف والحالة هذه يمارسه هذا البعض المقاوم على ابناء جلدته في الداخل؟
اذا كانت الفكرة وطنية الاصل والمنبع والاهداف لا بد وان تقنع اللبنانيين لكن المشكلة تبقى في اننا نستورد افكارنا من الخارج لانها تخدم توجهات فريق ويود هذا الفريق ان يفرضه على الاخر ولو… بالسلاح.

جدلية الوجود والفكرة جدلية عمرها من عمر البشر: فما من فكر صائب الا الذي يضمن الوجود وما من وجود صائب الا الذي يبنى على فكرة صائبة كما يقول الفيلسوف الشهير افلاطون. فما ابعد البعض اليوم عن الصواب في فكره وفي هوية وجوده. وقد اختار بديلا عن الاقناع التقوقع وسد منافذ التفاعل مع الاخر واختار بدل الانفتاح اقفال ابواب التقرب والتقارب وتدوير الزوايا لان الاهم الاهم يبقى الوطن ووجوده.

السلبية سلوك حياة ونمط عيش والمزاجية اسلوب تعاطي كما الانفعالية والشخصانية والديكتاتورية الذهنية قبل الدكتاتورية الفعلية. فهذه السلبية لا تبني اصلاحا ولا تبني غدا. وهي في مطلق الاحوال لا تعمر طويلا ولا تجذب المواطن المؤمن بوطنه وبحريته مهما حاولت البرامج الانتخابية والتحالفات الانتخابية القفز فوق الحقائق في عملية بهرجة وتجميل فاشلة لن تمحي اثار الكفر السياسي الذي تجلى به البعض من الذين ادعوا يوما الوطنية والحرص على بناء الدولة واقفال المرافق الشرعية. فانفضحت النوايا وباتوا اليوم امام محكمة التاريخ والشعب الذي لا ينسى ولن ينسى. ولكن … كي يبقى شعب يجب ان تبقى الدولة لان شعبا دون دولة زوال وفوضى مدمرة. فماذا يفعل المعارضون اليوم لتبقى الدولة؟ دولة قوية قادرة قائمة بنفسها لا تبنى الا بفكر وطني صاف و بسواعد الابناء المخلصين المتشبثين بالايمان بلبنان عظيم لم يقهر ولن يقهر على امتداد الازمنة والتاريخ من السلطنة العثمانية الى الوصاية السورية مرورا بالاحتلال الاسرائيلي والاستعمار الفكري الايراني الطارئ.

ليستيقظ الضمير عند هؤلاء… ان كان بعد ثمة ضمير
ليعود البعض الى رشده الوطني ان كان لهم بعد من رشد
لان الخطر كبير وكبير جدا… فلينقذ يوضاس نفسه قبل تلقي الثلاثين من الفضة لكي يبقى لنا وطن الارز الى الابد وكي لا تسقط الدولة على رؤوس الجميع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل