…. في الطريق إلى المحكمة
بعد نحو اسبوع تنطلق اعمال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وهي ستكون مولجة محاكمة المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، و بقية الشهداء الذين تم ضم ملفات اغتيالاتهم الى التحقيق الدولي.
ويأتي هذا الحدث الاستثنائي على اكثر من صعيد في وقت يتحضر فيه لبنان لدخول مرحلة انتخابات اشتراعية هي الثانية بعد اخراج الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005 ، والاولى بعد الانقلاب المسلح الذي نفذه "حزب الله" على الشرعية في بيروت مطلع ايار الفائت، وافضى الى "اتفاق الدوحة " كصيغة وسطى بين حملة السلاح من حلفاء النظام السوري في لبنان، وقوى الشرعية الاستقلالية اللبنانية التي تعرضت على خلفية التحقيق الدولي في قضية اغتيال الحريري واقرار المحكمة الدولية، لحملة اغتيالات طالت اقطاباً واركاناً من التيار الاستقلالي العريض. وكان واضحا ان المعركة التي خيضت ضد التحقيق الدولي و من ثم المحكمة، انما خيضت باعتبارها معركة وجود بالنسبة الى الطرف الذي وقف خلف الاغتيالات، وهذا امر مفهوم تماما . لكن ما عصى على الفهم من زاوية وطنية لبنانية ان يكون اطراف وجهات لبنانية ناصروا القتلة، و ذهب بعضها الى ما هو ابعد من التحالف السياسي، الى الاشتراك في "خطاب" الدم … دم اللبنانيين الاستقلاليين!
ايا يكن الامر، فقد كانت التضحيات كبيرة جدا بقيمة الدم الذي اريق على جنبات التحقيق الدولي و المحكمة الدولية. واليوم، ونحن على مسافة ايام معدودة، وفوق الآلام و الاحزان، والجروح العميقة العميقة، نقول: لقد كان الثمن باهظا، لكن ما كان في الامكان سلوك درب غير هذا الدرب المزروع حزنا وألما وغضبا … وما كان امامنا غير اعتماد الصبر والصبر والصبر، ومقاومة لحظات الضعف التي كانت تفيض عند كل استحقاق دموي يذهب ضحيته رفيق من رفاق الاستقلال والحرية والسيادة والعدالة، واكثر من ذلك في لحظات حالكة حالكة ومخيفة ساعة كانت شظايا اجساد حبيب لنا تتطاير اشلاء اشلاء على قارعة طريق .
نعم لقد كانت الآلام فوق الوصف. ولكن اقتراب استحقاق المحكمة بعد اقل من ثمانية ايام، يعيد احياء الامل في نفوس الاستقلاليين في لبنان الوطن، وفي لبنان الانتشار كذلك، بأن ثمة حراكا على مستوى لم يعهده لبنان من قبل، منذ ان انطلق مسلسل الاغتيالات في السبعينات مع كمال جنبلاط وكانت المرحلة مرحلة صعود لوصاية سورية على جزء كبير من لبنان .
وثمة جديد في الافق يعزز الامل، وإن يكن معلوما ان اعمال المحكمة ستستمر ردحا طويلا، من الزمن وصدور الاحكام في حق القتلة بعد محاصرتهم بالادلة التي تراكمت في عهدة لجنة التحقيق ربما تطلب مزيدا من التضحيات في معركة العدالة في هذا الشرق العربي المظلم والدموي، معركة يخوضها الاستقلاليون في لبنان نيابة عن كل مظلوم في هذا الشرق العربي. نيابة عن كل بيت وعائلة هنا وفي الاقليم خسرت ابا او اما او ابنا او بنتا او زوجا او زوجة على يد نظام اعتمد القتل وسيلة لفض ازماته المستعصية مع الشعب …
نحن لا نحمل اوهاما غير منطقية او فلكية. وندرك تمام الادراك ان مصالح الدول الكبرى التي دفعنا ثمنها طويلا في السابق قد تكسر آمالنا مرة جديدة، ولكن .. ولكن نشعر ان قضية المحكمة مختلفة هذه المرة، و هي تعكس من فوق المصالح، و نوبات الانفتاح الموسمية بين المجتمع الدولي وبعض "المروق العربي المشرقي"، رغبة واسعة النطاق في منع اعتماد بالاغتيال وسيلة لفض النزاعات منعا نهائيا عبر ارساء قاعدة المحاسبة والعقاب كرد حاسم. هنا الامتحان الكبير للمجتمع الدولي الذي يبدي اليوم تصلبا لافتا ومشجعا بالنسبة الى قضية دارفور، والقرار المرتقب لمحكمة الجنائية الدولية بإصدار مذكرة توقيف دولية في حق الرئيس السوداني عمر حسن البشير بتهم خطيرة للغاية.
العد العكسي بدأ بالنسبة الى المحكمة الخاصة بلبنان. واقصى المُنى ان يكون العد العكسي للقتلة اياهم هو ايضا قد بدأ…