انتخابات تمهيدية في تظاهرة 14 شباط!
في كل التظاهرات التي نظمها 14 آذار، ومعظمها مليوني، زحفت فيها الجموع من كل الجهات الى قلب العاصمة: ساحة الحرية. وفي كل هذه التظاهرات لم ينكسر زجاج، أو عمود كهرباء ولم يتم اعتداء على أي شخص، ولم يُجبر احد على النزول: جموع سلمية في تظاهرة سلمية: لا عنف، لا تكسير، لا تحطيم، لا بونيات، لا سكاكين، لا عصي، لا بنزين، ولا مسدسات. قوة الجموع في هدوئها، وفي سلميتها. على هذا الاساس بدت التظاهرات التعددية المشاركة، وكأنها جزء من الحوار. الحوار المستند الى التعبير الديموقراطي المباشر. والحوار هنا يعني توجهاً الى الفريق الآخر: 8 آذار لاعلان ان الشارع الذي تحرر بعد رحيل قوى الوصاية يجب ان يليق بتحرره. وان الجموع التي ملأت الساحات هي جموع تحترم الفريق الآخر، بما يليق بها، فلا تهدده، ولا تهول عليه، ولا تنفيه ولا تُخَوِّنه.
واذا عرفنا ان الشارع اللبناني كان ممنوعاً على اي حركة احتجاج، او تظاهر، فهذا يجب ان يكون اعلاناً آخر على ان صفحة جديدة من الصراع السياسي يفترض انها طويت، وان الأقلية يجب ان تأخذ بهذا الاعتبار، وتُقلع عن ارث القمع والتعنيف والاستباحة والتواطؤ والتهديد: فهذه اللغة لم تعد فاعلة ازاء اصرار الجموع على التمسك بالاختيار الديموقراطي.
لكن الأقلية لم تفهم كل هذه الرسائل الحوارية: حافظت على ارث الوصايتين وعلى لغة الغاء الآخر واستخدام السلاح وغزو الأحياء وضرب الدولة والمؤسسات والدستور. وظنّتْ انها باعتمادها استراتيجية العنف واستخدام الأسلحة في وجه اهلها ستتوصل الى فَلّّ الارادات الجماعية (السلمية) والى ترويع البشر وحتى الحجر، ولي الأذرع وكتم الأصوات. فكانت حركة العبسي (مدعومة من 8 آذار ومَنْ وراء 8 آذار) وقبلها حركة كانون الثاني التي فشلت (وخصوصاً جنرال الهزائم) فشلاً ذريعاً؛ ثم الطرطقة على الاحياء والازقة… وكذلك السيارات المفخخة والقنابل الموقوتة… وصولاً الى الجيش اللبناني الذي حاولت استباحته (اثناء حركة العميل العبسي) وكذلك من خلال استهداف بعض ثكنه واغتيال بعض جنوده وضباطه.
كل هذه الجرائم واشكال الترهيب والتخوين (ما اروعَ الخونة "الاصليين" غير المغشوشين عندما يُخَوّنون!) ذهبت ادراج خيباتهم: الاكثرية تزداد اكثرية، واقليتهم تزداد أقلية، باذنه تعالى لكن وبرغم هذه الخيبات المريرة تمسك "رواد" العنف بريادتهم المسبوقة في الأنظمة التوتاليتارية والمنظمات الترهيبية تمسكوا "بنهجهم" المستمد من "استراتيجيتهم" (المعلبة من خارج الحدود) وكان مسك "انجازاتهم" و"خواتمها" و"اساورها"… 7 أيار: العار " من الأبد الى الأبد". هذه المرة طعموا استراتيجيتهم بالنكهة الجديدة عندما غزوا بيروت (بالأسلحة التي يدعون انها موجهة ضد العدو: واين كان العدو آنئذ) فكان ما كان.. استباحوا مدينتهم وكأنها تل ابيب وسكانها وكأنهم صهاينة! (برافو! ومن يقول العكس) ودّمروا ما دمروا… واحرقوا ما احرقوا… وصولاً الى جريدة وتلفزيون المستقبل (شارون احجم عن التعرض لأي جريدة او وسيلة اعلامية: تجاوزوا شارون: اذاً برافو!. برافو!).
ولكي يتبعوا خريطة الغزو المتكاملة وجهت "جحافلهم" الى الجبل، والى كسروان والى المتن… وهذا انجاز كبير وتكتيكي واستراتيجي لا ينفذه الا عقل سياسي وعسكري "عبقري".
عباقرة! اي والله! وعلى ان ما الهمتهم اياه عبقريتهم لم يكن كافياً ولا فاعلاً: ازدادت الأكثرية اكثرية، وازدادت اقليتهم اقلية. وان كل مفاعيل الارهاب والقتل والغزو والتدمير واذلال "اهلهم" لم تثنِ الناس عن تمسكها بالدولة (وهم من تفريخ الكانتونات والدويلات) وبالديموقراطية وبالحرية وبالحوار… وخصوصاً وخصوصاً بالمحكمة الدولية (نسيت ان اخبركم ان ارباب هذه الأقلية هم من رواد العدالة والقضاء الحر وفصل السلطات ولهذا تأتي المحكمة الدولية لمحاسبة قتلة الحريري وشهداء الاستقلال من هواجسهم وكوابيسهم واشباحهم) وبالاخص أخيراً الاستحقاق الانتخابي النيابي. وقد عبرت الناس عن اقتناعاتها الثابة هذه بالتظاهرة المليونية التي كانت الأقوى والأكثر تمثيلاً لتعددية 14 آذار وكأنها رد سلمي على كل المحاولات الانقلابية المعسكرة و"المُميلشة" لا سيما 7 أيار المشؤوم على اصحابه حتى القيامة. انه الرد الكبير، الباهر، الجامح حيث زحف الناس على ساحة الحرية من كل مكان في لبنان. (وقد لوحظ التدفق المسيحي اللافت في هذه التظاهرة مما ظهر مدى تقهقر جنرال الهزائم ومدى تبخره في المناطق التي كان يدعي تمثيلها 70 بالمئة ولم يبق شيء يا بو الميش! بقي لسانك الملعلع الذي لم يعد سوى مجرد صوت بلا صوت! فما اجمل التصويت بلا صوت)، زحفوا ليقولوا ان اكثرية الشعب اللبناني لن تتردد في الدفاع بوسائلها الديموقراطية عن دولتها وسيادتها وعن حدودها ودستورها وجيشها وقواها الأمنية في وجه المتربصين بالبلد… لاستيعابه واستعادته مجرد خرقة في جيب هذا النظام الشقيق او ذلك النظام الاعجمي ومجرد تظليل للقامات المفجوعة بهزائمها امام العدو الصهيوني والتي تجد تعويضاً لها عبر الانتصار على اللبنانيين!
واذا اعتبرنا ان الانتخابات النيابية على الأبواب، وان المحكمة الدولية دخلت الى مقرها الأول، تتخذ هذه المظاهرة ابعاداً أخرى لتكون نوعاً من الاستفتاء المبكر او التصويت الأولي للانتخابات النيابية. ومن جهة أخرى لتكون دعماً شعبياً للمحكمة الدولية خصوصاً وان المظاهرة جرت في ذكرى استشهاد الرئيس الحريري: وهنا المغزى الديموقراطي السيادي باعتبار ان دم الشهيد الحريري فجر ثورة الاستقلال وكذلك باعتبار ان الناس لم يتخلوا عن المحاكمة العادلة مهما فعل من يريدون ان يغطوا هذه الجريمة وان يضللوا ويموهوا… بشعارات منها "ان المحكمة الدولية مسيسة باتهامها هذه الجهة او هؤلاء الافراد! من دون ان ننسى ان المنحى السلمي الذي طبع هذه المظاهرة كأنه رد على العنف السابق (7 أيار ومقدماته) وعلى احتمال العنف اللاحق. فالأقلية بدلاً من ان ترى في هذه التظاهرة نوعاً من التعاطي السياسي الديموقراطي وترد التحية بأعطر منها، ها بعض شراذمها يغدرون ببعض المشاركين في التظاهرة ويقتلون ويجرحون (ويتنصل منهم من شَحَن الأجواء العنيفة)، وها طريق المطار أصبحت كما أيام الميليشيات القديمة (وصارت جديدة)، تهديداً للناس: خطف محاسب وقتل طيار في شركة طيران الشرق الأوسط: الشركة الوطنية التي من المفترض حماية موظفيها… لا خطفهم وقتلهم (وللمجرمين أسباب وطرق نجهلها). وها هو جنرال الهزائم، بعبع الصحافة والإعلام والأطفال وأبو المراجل… يشتم على هواه، يوجه رشاش سبابه في كل اتجاه: من البطريرك صفير الى تيار المستقبل، الى القوات، الى الصحافة، الى بعض التلفزيونات كأنما "أنا أشتم، إذاً فأنا موجود" باتت شعاراً لمن لم يعد له سوى الشتيمة والبذاءة اليومية. وها هو (مع سواه) وإثر الصدمة الكهربائية التي أحدثتها تظاهرة 14 شباط 2009، وإثر اكتشافه أن كل البسط والسجاد والحصائر قد سحبت من تحته، وبات على حضيض الحضيض، أو في القاع البلا قرار! ها هو يحاول أن يشكك باحتمال إجراء الانتخابات بحجة أن القوى الأمنية الموجودة غير قادرة على حفظ الأمن إذا تمت الانتخابات في يوم واحد.. فيا لهذا الحرص على الديموقراطية من صاحب الحربين والإنقلابين.. ونذكر أن الجميع وافقوا على هذا القرار! بمن فيهم جنرال الصدقية والصدق والمصداقية… إذاً أحسوا بالسخن، وعرفوا أن لا شاكر العبسي، ولا ارتكابات كانون الثاني، ولا تعطيل مجلس النواب، ولا محاصرة الحكومة، ولا احتلال وسط المدينة، ومن ثم لا 7 أيار… قد أثرت إلا سلبياً عليهم! وأن استراتيجيتهم "العُنفية" ارتدت عليهم، وعلى شعبيتهم، وعلى احتمال فوزهم بالأكثرية. إذاً، فلنوتّرِ الأجواء وكانت تظاهرة 14 شباط نقطة الانطلاق: فلنكمل استراتيجية الترهيب (وماذا فعل الترهيب: هل منع الناس من المشاركة في التظاهرة خصوصاً الجبل وبيروت…)، على طريق المطار، وغداً على طرق أخرى، وأزقة أخرى، ومدن أخرى: فالمسافة الزمنية بين الآن وموعد الانتخابات… فسيحة لنا، ويمكن أن نفعل العجائب في هذا الشعب الذي يتخلى عنا يوماً بعد يوم! ويمكن أن نجدد ما شئنا (بعون الخارج) أساليب الترهيب والخطف والقتل والطعن… فلعلهم يصيبهم الإحباط والخوف والإحجام عن التصويت… أو في أفضل الأحوال: إقناع "المعنيين" بتأجيل هذه الانتخابات ـ المصيبة علينا وعلى اولياء نعمنا و قراراتنا في الخارج.
إذاً لم يتغير شيء من ممارساتهم: وهي من طبائعهم المتطبعة، ومن تربيتهم المخابراتية المكثّفة، ومن "التعاليم" (الديموقراطية في هذا النظام الاستبدادي أو ذاك الشمولي) التي ارتضعوها وها هي الانتخابات مقبلة. ورصيدهم يتضاءل، وها هي المحكمة أتت: و"ممانعتهم" لم تعد ذات فاعلية. وها هو الجيش يقوى وعداؤهم له بدأ يتخذ أشكالاً أخرى. وها هي الدولة تترسخ وخروجهم عليها لم يؤسس لكانتوناتهم المعززة، وها هو العالم يؤيد المحكمة والدولة، ولم يعد لهم سوى شراذم "دولية" في هذا البلد "الأعجمي" أو ذلك البلد "المستعجم"، ولم تعد استراتيجية محاربة العروبة (بأيدي بعض العرب والإعلاميين العرب: فيا لقلاع العروبة تنهار عليهم!)، ذات فائدة، لتسليم أوراق العرب وأرضهم ومصائرهم لأيد غير عربية ابتداء بإسرائيل وانتهاء بتركيا ومروراً بإيران (تحتل ثلاث جزر عربية: طمب الكبرى، طمب الصغرى وجزيرة أبو موسى، وهي تطالب بالبحرين، وتُجزئ فلسطين، وتكنتن لبنان وتشرذم العراق)، والدول الثلاث هذه التي بدا للحظة أنها تفاوض بدلاً عن العرب أو بالقوة عنهم لها باع طويل في احتلال أراضينا: إسرائيل تحتل فلسطين، وتركيا تحتل لواء اسكندرون… وإيران لها كما قلنا كانتوناتها العربية: في "لبناننا" العزيز على قلوب مرشديهم، وفي فلسطين هنية، وفي الأراضي الإماراتية: ما زلنا نتذكر معركة التسميات: أيكون الخليج عربياً أم فارسياً! بعض اللبنانيين من أحفاد وأبناء الوصاية الأعجمية فرسنوا حتى الخليج العربي! فيا لهذا الشغف بتحرير الأرض العربية).
على هذا الأساس يتخذ الصراع في لبنان، إضافة الى تعزيز الدولة والدستور وتمتين المحكمة وترسيخ الديموقراطية، وتعميق السيادة… معاني عربية بامتياز: كأنها معركة فاصلة بين عروبة لبنان بعض الذين حاربوا في الماضي تحت شعار عروبة لبنان بمن في ذلك الإعلاميون والصحافيون، ينحازون الى أعداء العروبة، ويؤلفون مع الخارج جوقات تشويه المنحى العروبي (ومنهم ناصريون وقوميون عرب)، ومحاولة تدمير ما تبقى من الدولة العربية لصالح الجهات غير العربية وخصوصاً إسرائيل وإيران. في حين أنه لا يرشقون نظام الملالي الساساني بوردة! عال! فالورقة العربية يجب أن تسلّم لإيران أولاً (غزة، وقرار الحرب والسلم في لبنان، والحراك في العراق)، باعتبار أن العرب خانوا قضاياهم، وتخلّوا عنها: ومن أجدر بوراثة العرب غير الأعاجم! وغير تركيا وإسرائيل وإيران (ما أجمل التقاطع من تحت الطاولات وأحياناً من فوقها!)، وغير الأبعدين: فلنغير المعادلات ونهاجم مصر والسعودية والكويت والعرب عموماً ونستثني الممانعين (أين؟ بربكم)، عال! وهل نذكر القارئ باليافطات التي علقت في قلب بيروت في الثمانينات بعناوينها الفاقعة: "العروبة بدعة صهيونية" أو "العروبة والصهيونية وجهان لعملة واحدة"… أو تحاليل مفادها أن العروبة انتهت مع ظهور الإسلام، وكأن الإسلام ضد العروبة!
إذاً نحن نواجه معارك عنصرية ضد العرب وأهلها. وضد الحضور العربي (بصرف النظر عن رأينا ببعض الأنظمة العربية التي لا تقل قمعاً وجنوناً عن نظام الملالي… والكيان الصهيوني): فالهوية العربية على مرمى نيرانهم! ويكفي أن نسمع بعض المسؤولين هنا وهناك، وعندنا في لبنان، وهم يتهجمون على العرب (ويمدحون خامنئي: "درة الشرقين"، ونجاد "جوهرة العالَمَين")، ويحاولون زرع الفتنة، وتأليب الناس على الناس، والناس على الدولة، لإثارة حروب أهلية عربية، نعرف الى أي مدى تتخذ المعركة الراهنة في لبنان أبعاداً متشابكة ومصيرية: فمن مصير البلد ووجهه، الى مصير العروبة، فإلى مصير الديموقراطية، فالمحكمة، فالسيادة، فالاستقلال، فالدستور… كل هذه المعارك مطروحة في سلة واحدة، وفي استحقاق وشيك هو الانتخابات النيابية: فهل يقبل أي لبناني أن تعود الوصايات بالجملة الى بلده، وهل يقبل أن تدمر إنجازات الاستقلال، والحرية، والسيادة…. ووجه بلده، لتحل محلها تلك السحن التي عرفنا جيداً مساوئها، وجرائمها، وقمعها، وإرهابها…
فهل يمكن أن يسلّم اللبنانيون في الانتخابات النيابية القادمة بلدهم… لمن يحاولون تدميره وتشويهه منذ أكثر من أربعة عقود!
هذه هي أم المعارك!