الدوائر الأمنية الفرنسية ولائحة اغتيال سمير جعجع!!
ثمة بلبلة شديدة واحتقان في الشارع المسيحي، وحبل الأمن المضطرب ما زال مجهول الفاعلين، وإن كان ما نشهده هذه الأيام يثير مخاوف اللبنانيين من تاريخين: الأول عام 1975، والثاني مطلع العام 1984 فذاكرة الحرب تُعاد إلينا على طبق من أخبار الخطف والقتل والقنابل واكتشاف جثث أطلق فيها الرصاص على الرؤوس..
يوم أمس كان يوم القوات اللبنانية بامتياز، فقنبلة الكفور تضع نقطة على سطر ما كان بالإمكان تفسيره بعد قنبلة سن الفيل بأنه مجرد ردّة فعل مغتاظة من الحشد المسيحي في 14 شباط، الذي لم يعد بالإمكان بعثرته بمجرد هجمات إعلامية تنفيه وتستقل لتقليله أو تهميشه!!
واستهداف القوات لا يبدو أنه استجد بعد 14 شباط، بل بدأ قبل ذلك بكثير وبحملة منظمة وبعناية شديدة، إلا أنها جاءت مرتجلة ومكشوفة لذا عادت إلى الانكفاء بعد فشلها مرات متتالية، فأفضى الأمر إلى خيار إشعال الفتيل الأمني في المناطق المسيحيّة. عملياً كلفة "الترهيب" في المنطقة الجغرافية السُنيّة تحديداً ستكون باهظة الثمن هذه المرة، والكل يجتهد لإبعاد شبح 7 أيار العائد ربما ليغزو المنطقة المسيحيّة وإن بشكل مغاير، فما يحدث محاولة استفراد واستفزاز منظّم للقوات اللبنانية لجرّها إلى حيث يراهن البعض أنه بإمكانه إعادتها بسهولة إلى صورة قديمة "ميليشيا الحرب"..
قد يكون بإمكاننا القول أننا أمام مشهد متكرّر يستهدف المناطق المسيحيّة ترهيباً وتخريباً كتلك الاستهدافات الأمنية التي عاشها الشارع المسيحي في أيار العام 2005 بُعيد خروج الجيش السوري من لبنان، كان الأمر ضغطاً موجعاً وضرباً عنيفاً في محاولة مستميتة لفك سلسلة "مسلم – مسيحي" التي التحمت عندما زلزل اغتيال الشهيد رفيق الحريري كيان لبنان واللبنانيين، وقتها كلّ تلك الانفجارات المتنقلة في المناطق المسيحية وفي مواعيد ثابتة كل ليلة سبت، وغير عابئة لا بالأعياد ولا بالصوم المسيحي أيضاً، لم تستطع أن تخلخل هذا الالتحام..
أحداث الأمس الأمنية كلّها تزامنت مع تقرير تداولته مواقع الكترونية لبنانية كثيرة، نقلاً عن دوائر أمنية فرنسية، ورد فيها ما حرفيته (نقلاً عن المواقع):" في حين تعتبر الدوائر الفرنسية أن أجواء المصالحة بين دول المشرق العربي تُحدث حالة من الاسترخاء تحول دون عودة مسلسل الاغتيالات الذي طاول شخصيات بارزة على الأرض اللبنانية، فإن التقارير لا تزال تتحدث عن أن رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع يكاد يكون الاستثناء الوحيد في المناخ الراهن..وإذ ترى التقارير أن الخط الذي ينتهجه جعجع الذي يحظى بتعاطف من الجسم الكهنوتي داخل الطائفة المارونية يستقطب أكثر فأكثر الفاعليات المسيحية على اختلافها، فإن التخلص منه قد يزيد من تبعثر الحالة المسيحية التي تشير التقارير إلى أن دورها يتضاءل تدريجاً لظروف مختلفة، وإن كان رئيس كتلة المستقبل النيابية النائب سعد الحريري يجهد وعلى خطى والده الرئيس رفيق الحريري ليكون للمسيحيين شأنهم في الخريطة السياسية اللبنانية لأن ذلك من مقتضيات قيام الدولة القوية والمتوازنة وذات التطلعات الحضارية".. وحتى التاسعة من ليل أمس لم يصدر أي نفي رسمي فرنسي لهذه التقارير على الرغم من خطورة الكلام الوارد فيها، ولا نستطيع أن نتعامل مع عدم النفي إلا باعتبار الكلام الوارد فيه صحيحاً..
لائحة اغتيال لإسم واحد "سمير جعجع"، وتحديداً هذا الرجل مُستهدف ومطلوب الرأس منذ الثمانينات، ولولا بعض التجميل لأقنعة الاغتيال وأساليبه لشاهدنا نشرات تحمل صوره وعليها مكافآت مالية باهظة وجملة مطلوب "ميتاً"!!
تكمن خطورة سمير جعجع بالنسبة للبعض على مشاريعهـم ـ بصرف النظر عن كل الملاحظات التي قد تشوب صورتــه في فترة الحرب الأهلية ـ انطلاقاً من كونه حافظ على المنطقة الشرقية قطعة جبن عصية على الابتلاع، وعلى النسق نفسه استمر وبُعيد انخراطه في اتفاق الطائف فظل الصوت الوحيد الذي علا منادياً بتطبيقه، بعدما تم تأديب كلّ الأصوات باغتيال الرئيس رينيه معوّض ..
والقضاء على جعجع برميه في السجن، احتاج لحرب مخابراتية منظمة ضدّه بدءاً من شائعة نوايا انفصالية يعتزم القيام بها، بإقفال نفق نهر الكلب وإعلان الكانتون المسيحي، في وقت كان لبنان كلّه في القبضة الحديدية، وفي وقت كان التفكير للحظات في هكذا حديث سيكشف بسهولة كذب ما يقال عن كانتون إن ولد سيولد ميتاً مطوقاً ومحاصراً ومخنوقاً!! إلى أن أصبح انفجار كنيسة سيدة النجاة ضرورة وحاجة للتخلص من رقم صعب لن ينصاع بسهولة للسياق الدولي المطلوب، ونخطىء كثيراً إن ظننا أن جعجع أدخلته الوصاية لوحدها السجن، بل دخله بمباركة دوليّة!!
لبنان على مفترق طرق والوقت محشور وضيق، واستهداف القوات أصبح حاجة، والحديث عن كون جعجع هدفاً منفرداً مستمراً سيكون ضرورة ملحّة ولأسباب كثيرة، وكالعادة وبتقدير خاطىء من محتاجيه، تماما مثلما أخطأوا بحسابات اغتيال الرئيس الحريري، ولا يستطيع أحد أن يتبرع بالقول لنا أن هذه الترويجات ابتزاز عاطفي انتخابي، لسبب بسيط، قيادات 14 آذار كانت دائماً مستهدفة، فما الجديد في الحديث عن استهداف جعجع؟
هذه التقارير تستدعي التعامل معها بجدية شديدة، خصوصاً أنها تجيء في لحظة يعلو فيها منطق الدولة في خطاب سمير جعجع، وبحكمة لافتة في التعاطي مع اعتداءات يوم أمس بمنتهى الحرص على الساحة المسيحيّة، ومسارعته إلى نزع كلّ فتائل الاحتقان بين التيار الوطني الحر ومناصري القوات والكتائب المستهدفة أيضاً، وتكمن الخطورة في النزول الميداني لضبط الانفعالات الشعبية وتردداتها..
كيف تحمي 14 آذار سمير جعجع ؟ باحتضان جماعي للمناطق المستهدفة، فلا يكون جعجع وحده مستدرجاً إلى الميدان، وأن تبادر الدولة اللبنانية فوراً بسؤال السلطات الفرنسية عن صحّة ودقة ما تناقلته الأخبار عن كون جعجع هدفاً للاغتيال، وأن تتعامل القوى الأمنية بدقة متناهية مع هذه المعلومات، كذلك القوات اللبنانية، فلا يتم استدراج قائدها لكشف أمنه بقنبلة من هنا وانفجار من هناك، وإن كنا نرى أن كل الرؤوس الكبيرة في 14 آذار ما زالت في مرمى الاستهداف، حتى لا تساهم تقارير من هذا النوع بحالة استرخاء أمني سبق وتم استخدام تقنياته للنيل من رموز وشهداء كثر..
يبقى أن نتناول حديث التقارير الأمنية الفرنسية عن أن استهداف جعجع سيشرذم المسيحيين وتحديداً الموارنة، يشبه هذا القول الحديث عن حالات الإحباط المسيحي وما أكثرها، لذا علينا هنا أن نستعيد تجربة سجن سمير جعجع، لنكتشف أمرين: الأول، أن القوات اللبنانية استمرت مناضلة على رغم كل المطاردات والاعتقالات والقمع الذي مورس عليها، ثانياً، أن نتذكر خطاب سمير جعجع يوم خرج من سجنه وخاطب اللبنانيين بقوله: "خرجتم من السجن الكبير وأخرجتموني معكم"…
يبقى أن نتمنّى السلامة للحكيم من كلّ أذى وسوء واستهداف، فسلامته وسلامة القوات اللبنانية من سلامة لبنان والوحدة الوطنية التي تجلّت في ساحة الحرية في 14 شباط، هذا الحشد الصادم للمراهنين على ساحة خالية لأنها خائفة، وسنجد إجابة على هذه الصدمة ليس في مشهد الحشد فقط، بل في كلمتين يرددهما سعد الحريري كثيراً هذه الأيام "لبناني مسلم – لبناني مسيحي".. ليس هذا مجرد كلام عابر عن الوحدة الوطنية، الردّ "السُنّي" وصل لمن يعنيهم الأمر، "لسنا خائفين"، الآن جاء دور "إخافة المسيحي" لأنه بعد 4 سنوات أثبت أنه ما زال مصراً على شعارات 14 آذار 2005، التي قد ننسى أحياناً مَن ناضل من أجلها منفرداً على مدى ثلاثين عاماً، في وقت كنا فيه نحن خائفين!!.