(جمهورية التأجيل)
إنها (جمهورية التأجيل) بإمتياز، لا ملف يُنجَز في وقته سواء أكان كبيراً أو صغيراً، ولا قيمة للمواعيد في لبنان لأن (الوقت ليس من ذهب).
تتنامى حقيقة مفادها أن العلَّة في النظام، فليس هناك فيه مرجعية يتم الإحتكام إليها عند الخلاف، وإذا وُجدَت هذه الآلية أو هذه المرجعية فإنه يجري تعطيلها.
واحدة من مشاكل البلد اليوم هي المشكلة المالية والإقتصادية والمعيشية، وهذا المثلَّث مدخله إلى الحل هو (الموازنة العامة)، فكيف يمكن أن يسير البلد من دون موازنة؟
نقترب من (الكأس المُرّة) وعنوانها الصرف على القاعدة الأثني عشرية، فهل يُعقَل في بداية العهد وفي حكومة العهد الأولى أن يكون هناك عجزٌ في إقرار الموازنة؟
هناك آلية بمثابة مخرج، وهي التصويت في مجلس الوزراء، فلماذا لا يتم إعتمادها؟
فالتخويف منها ومن مضاعفاتها يعني أنها غير صالحة كآلية فصل عند الخلاف، فلماذا لا يتم إلغاؤها إذاً؟
اما إذا كان هناك إصرارٌ على إبقائها فهذا يعني حتمية تطبيقها.
* * *
ما هو أخطر من ذلك أيضاً هو ربط الملفات ببعضها البعض وهذا ما يمكن تسميته (بنظرية الرهائن):
ملفٌ يرهنُ ملفاً، ولا حل لواحدٍ منها إلا إذا تمَّ تسهيل أو تمرير الحلول للملفات الأخرى.
إذاً نحن لا نعيش في دولة قانون ودستور ومؤسسات بل في هرطقات متلاحقة إلى درجة أننا نسأل أنفسنا يومياً:
كيف يعيش البلد؟
وكيف يستمر؟
* * *
هناك قراءة لِما يجري ومفادها أن التأجيل هو سيِّد الموقف لأن الجميع ينتظرون الإنتخابات النيابية المقبلة لتُشكِّل حجم القوى وإستطراداً إمكانية البت في الملفات العالقة.
هذه القراءة، إذا صحَّت، من شأنها أن تكون حافلة بالمخاطر وذلك للإعتبارات والأسباب التالية:
– ليس ما يؤكد بشكل جازم أن الإنتخابات ستجري، وهذه المخاوف في محلِّها بسبب القلاقل الأمنية المتنقِّلة.
– حتى لو جرت الإنتخابات، فليس ما يؤكد أن هناك أكثرية وأقلية ستنشآن، فالقوى شبه متقاربة وإلا لماذا صرّح النائبان وليد جنبلاط وسعد الحريري أن لا مشاركة في حال خسرا المعركة وسينتقلان إلى المعارضة، وفي حال جاءت النتيجة على هذا المنوال فعندها سيصيب الشلل كل القطاعات، وعندها أيضاً تسقط كل الآمال بمعالجة ما هو مؤجَّل من ملفات.
* * *
لا بد من الإقرار والإعتراف بأن هناك أزمة عضوية وحقيقية في البلد ترقى إلى مستوى المعضِلة، وبداية الحل (إذا وُجد) تكون في الإعتراف بهذا التشخيص، فالأزمة ليست عابرة، ومقولة (الوقت حَلاّل المشاكل) لم تَعُد تنطبق على ما نحن فيه، فالإهتراء يضرب كل القطاعات، ومَن يعتقد أنه في منأى عن الغرق يكون مخطئاً.