سقوط العنف باللاعنف
اكثر من مشهد ظهر على مسرح أحداث 14 شباط، موعد الذكرى الرابعة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. فعلى هامش الاحتفال الذي بات تقليداً سنوياً يحيه اللبنانيون في 14 شباط من كل عام، برزت مشاهد هي أشبه ما تكون بمحاولات حاقدة ويائسة لحجب وهج الذكرى وتخويف الناس الذين أثبتوا هذا العام وكما في كل عام، صلابة إرادتهم وصدق التزامهم بثوابت مسيرة العدالة والسيادة والحرية والاستقلال.
في الحقيقة، جاءت ذكرى 14 شباط هذا العام لتؤكد وجود مواجهة حقيقية بين اتجاهين ونهجين، مواجهة انطلقت منذ التمديد القسري للرئيس اميل لحود، وتصاعدت اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وما زالت مستمرة حتى الآن. وبات من الواضح أنه الى جانب العناوين السياسية لهذه المواجهة هناك جانب سلوكي وأخلاقي ومنهجي تعتمده القوى المتواجهة.
العناوين السياسية للمواجهة واضحة وهي تتمثل بإصرار فريق من اللبنانيين على التمسك بخيار الدولة واستكمال مسيرة السيادة والاستقلال، والتركيز من ناحية ثانية، على أهمية استعادة الحقوق الفلسطينية والعربية من خلال استراتيجية عربية جامعة ورفض تحويل لبنان الى ساحة أو رأس حربة في مواجهات لا يستفيد منها لبنان واللبنانيين بقدر ما تصب نتائجها في مصلحة محاور خارجية. ومن جهة ثانية، تتمثل عناوين المواجهة باستمرار الفريق الآخر على إصراره في التسمك بثنائية السلاح والأمن: دولة ـ مقاومة، وتكريس قاعدة الثلث المعطل، الناسف لمبدأ التداول الديموقراطي للسلطة، والمتعارض مع ابسط المبادئ الناظمة لحكم مستقيم وعلاقة سوية بين الأكثرية والأقلية والموالاة والمعارضة.
أما على الصعيد المنهجي والسلوكي والوسائل المستخدمة في المواجهة السياسية، فتبرهن الأحداث المتتالية منذ أربع سنوات لا سيما مشهد ذكرى 14 شباط قبل أيام، والمشاهد العنفية التي واكبتها، أن هناك نهجين مختلفين لا بل متناقضين. المنهج الأول، عنفي يعتمد على السلاح و"الفنون" العنفية والجرمية المتنوعة التي عانى اللبنانيون مصائبها واختبروا نتائج استخدامها في أكثر من استحقاق ومناسبة. وفي هذا السياق، يؤشر شريط الأحداث منذ تظاهرة" شكراً سوريا" ومسلسل الاغتيالات والتفجيرات والأيام السوداء في الوسط التجاري ومحيط السرايا وخطف الزيادين وقتلهما، وصولاً الى اجتياح بيروت والمناطق الأخرى في 7 أيار ومشاهد القتل والتعدي على المشاركين العزل في الذكرى الرابعة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وما نتج عنها من استشهاد المواطن لطفي زين الدين وجرح آخرين، تؤشر كل هذه الأحداث الى وجود نهج عنوانه "إسقاط الانتفاضة اللاعنفية التي أطلقها اللبنانيون في 14 آذار 2005 بالإجرام والقتل والعنف الذي يبيح استخدام كل الوسائل العنفية و"فنون" الجريمة".
في المقابل، تبين الأحداث نفسها أن هذا النهج العنفي المستشرس والحاقد الذي لا يبدو أنه يقف عند حد، يواجه عند كل جريمة أو مشهد عنفي بالإصرار على اعتماد سلوك ونهج مضاد هو نهج "إسقاط العنف باللاعنف" وترسيخ ثقافة الحياة ومفهوم العدالة والدولة والأمن الشرعي، وذلك رغم الكلفة الباهظة التي دفعها ويستمر بدفعها أصحاب هذا النهج وأنصارهم منذ أربع سنوات، إضافة الى عدم شعبية الدعوة الى اعتماد مثل هذا النهج وخصوصاً في مجتمع متعدد وحساس طائفياً مثل المجتمع اللبناني.
أربع سنوات من العنف المنظم، المتنوع الوسائل والفنون، ظن أصحابه أو من لا يزال مقتنعاً بجدواه، أن لبنانيي 14 آذار، قوم ضعفاء وجبناء تجمعوا صدفة في لحظة، ويمكن ترويعهم وتخويفهم وتفريقهم بالقوة في أي لحظة. المفاجأة كانت في 14 شباط قبل أيام، حيث أطلت الذكرى الرابعة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، لتشكل بالصوت والصورة مشهداً معبراً عنوانه "السقوط المدوي للعنف باللاعنف".