#dfp #adsense

الانتخابات بين الواقع والآفاق المستقبلية

حجم الخط

الانتخابات بين الواقع والآفاق المستقبلية

المفاجآت الانتخابية في لبنان، قليلةٌ جداً، بل تكاد تكون نادرة.
وغالباً ما يستطيع المراقبون ونسبة عالية من المواطنين قراءة النتائج بصورة شبه محسومة قبل حصول الانتخابات فعلياً… وهذه الوضعية تنطبق على كل الدورات الانتخابية منذ العام 1943 حتى اليوم، على الرغم من حصول كثير من التبديلات في الأشخاص والمواقع والأدوار، الا انه لم يحصل تغيير نوعي ذو قيمة تاريخية ومصيرية في الحياة السياسية في لبنان، ذلك ان التبديل هو تعبير عن انزياحات شخصية، أو مصلحية، أو تحالفية ضمن اطار حالة واحدة، اما التغيير فهو تبديل الحالة نفسها، والانطلاق نحو حالة جديدة، وهذا ـ يا للأسف المتكرر ـ لم يحصل في لبنان، وهو بذاته كارثة على مستوى أبسط مقاييس الديموقراطية.

إننا نتطلع الى حالة جديدة، فالمسألة التي تنظر فيها هي أبعد من عملية التنافس بين قوى 14 آذار وقوى 8 آذار (وان تكن تقديراتنا ان قوى 14 آذار ستحافظ على أكثرية المقاعد في برلمان 2009، اذا حصلت الانتخابات في موعدها في 7 حزيران 2009، ولم يحدث ما يعوق اجراءها، ذلك ان لبنان يستنسخ نفسه بأشكال متعددة على مدى تسعة عقود تقريباً، بينما هو يحتاج الى ولادة وطنية استقلالية حديثة وفعلية، لا الى عملية استنساخ يستحيل فيها أن يكون المولود/ المستنسخ طبيعياً، بل سيكون مشوهاً، على الأقل، بفعل التكرار.

لقد آن الأوان لإيقاف عملية الاستنساخ البشعة، ولعل ابشع ما فيها هو استمرار اعادة الانتاج الطائفي لآليات السلطة، الأمر الذي يعوق الشروع في بناء الدولة، واعادة انتاج منظومة الارتهان للطائفية في الداخل، وللمعادلات الاقليمية ـ الدولية في الخارج، الأمر الذي يضيع علينا بدوره قدرة التقاط الفرص للعمل على صياغة مفهوم مشترك لـِ"الوطنية اللبنانية" يكون أساساً لقيام دولة مدنية عصرية على اساس تعاقدي موضوعي متحرر من كل القبليات العصبية مهما يكن نوعها، ولا سيما منها العصبيات الطائفية والمذهبية.

هذه القبليات العصبية، هي المجال الأرحب الراهن للتوظيف السياسي، وهي المحرك الخفي في عملية الاقتراع، وفي تصرف المقترعين ولانقول "الناخبين" في حالتنا اللبنانية، فنحن في الحقيقة "نصوّت" فقط، ولا ننتخب، والفرق شاسع بين المصوتين والناخبين، ففي الحالة الأولى نتنافس ونتصارع وراء القوى السياسية المتصارعة باسم الطوائف على السلطة من ناحية وعلى السوق والمال من ناحية أخرى. اما في الحالة الثانية ـ اي في حالة الناخبين ـ فنحن لم نصل حتى الآن الى اي درجة منها، فلم ندل بأصواتنا ـ (إلا نادراً جداً وفي لمحات عابرة) ـ في أي دورة انتخابية على اساس برامج سياسية واقتصادية وثقافية وتنموية، بل كنا في الغالب الأعم ندلي بأصواتنا تمسكاً بماض معين، او بشخص معين، أو بخوف على وجود الطائفة ودورها، او انتقاماً، او نكاية، او استجابة لرشوة. ولذا، فان التصويت هو الذي يقود الى الاستنساخ، الى التكرار، والى التشابه المخيف. اما الانتخاب، فيتضمن معنى الوقفة النقدية معنى التفكير في المستقبل، معنى الاختيار، اختيار النخب القادرة على صناعة التقدم الانساني. وعند هذه النقطة بالضبط، يتضح بعمق الفارق الشاسع بين التصويت والانتخاب، فالأول تفضل القوى السياسية السائدة الاستمرار فيه من أجل حماية استمرارها هي نفسها، ولأنه يعفيها من تقديم البرامج ومن مخاطر المحاسبة والمراقبة والمساءلة، فالمصوتون يتحركون في نطاق الجماعة العصبية كما تتحرك القطعان خلف رعاتها، وتغيب عندئذ شخصية الفرد / المفكر. اما الانتخاب، فهو الطريق الى الاختيار، تليه المحاسبة والمراقبة والمساءلة الدائمة، وتبرز فيه حتماً شخصية الفرد/ المفكر الذي يعيش في الجماعة ولكنه لا يتحرك كما تتحرك القطعان وراء الرعاة.

نتمنى ان تكون الانتخابات المرتقبة هذه المرة، هي آخر انتخابات نصوت فيها، وان نصل في المرتبة المقبلة الى انتخابات متحررة من شعارات صارخة هي في الواقع منظومة ردود أفعال لعلنا عندئذ نشعر ونتصرف على اننا ناخبون، نشارك في صناعة القرار، وفي رسم المستقبل، ونختار النخب القادرة على نقل لبنان من الكيان /الأرجوحة الى لبنان / الوطن، ولبنان / الدولة، ولبنان المجتمع الذي يتعاقد فيه أبناؤه على العيش الوطني الواحد، وليس على شعار العيش المشترك الذي يستبطن الخلاف والتناحر على كل شيء تقريباً، والذي يجري استخدامه ـ اي هذا الشعار ـ من أجل الادعاء بالوحدة الوطنية، فيما اللبنانيون او بتعبير ادق: حملة الجنسية اللبنانية، لم يعرفوا حتى اليوم وحدة وطنية الا في اطار اللعبة اللفظوية التي تحتاجها اللعبة السياسية، ولطالما أهرقت دماء كثيرة وغزيرة في ظل الحديث عن هذه الوحدة ولطالما ضاعت بين الدماء مفاهيم عديدة فلم نتفق حتى الان على معنى: "اللبناني"، باستثناء تلك الكلمة التي يفرضها القانون أمام كلمة الجنسية أو التابعية على بطاقة الهوية.

إننا نتمنى، اننا نحلم. وهذا جزء من حقوقنا وليس جزءاً من طبيعتنا فقط، أو ليس الحلم هو احدى صفات الكائن الانساني؟ لكنه هو وحده غير كاف، وان يكن حافزاً على الأفعال، وعلى الجرأة والمغامرة. ولذا، علينا ان نناقش مسؤوليتين: المسؤولية الأولى، هي مسؤوليتنا نحن "اللبنانيين". والثانية هي مسؤولية القوى النافذة حالياً على اختلاف مواقفها وأفكارها.

نحن "اللبنانيين"، مسؤولون، كوننا نتخلى طوعاً أو يأساً عن محاسبة القوى السياسية عندما تهمل مستقبلنا، وتستخف بأهمية دراسة التجارب التي مررنا بها على مدى تسعة عقود، وتستهتر بحقوقنا الاجتماعية فتحل الصدقة السياسية محل برامج التنمية، ويحل اقتصاد المساعدات والهبات والقروض محل اقتصاد الانتاج، وتزداد الهجرة التي يجري تصويرها زوراً على أنها من طبيعة "اللبناني"، فيما الحقيقة هي ان الهجرة تعبير فاضح عن المأزق الوطني، وعن المأزق الاقتصادي ـ الاجتماعي… نعم، نحن مسؤولون، اذ اننا نذهب الى صناديق الاقتراع مرة كل اربع سنوات، من دون ان نطالب القوى المتنافسة ـ ولا سيما منذ العام 1992 ـ بأن تكون جدية في العمل على الغاء الطائفية السياسية وفقاً لما نص عليه اتفاق الطائف عام 1989، وهكذا اعتدنا ان تكون في لبنان كانتونات طائفية ومناطقية وان تكن غير معلنة رسمياً، وأصبحنا نتصرف في يوم الانتخاب على قاعدة التصويت شبه الأوتوماتيكي من أجل استمرار هذا الواقع، لا من أجل تغييره.

نحن مسؤولون ايضاً، لأننا لا نمتلك ما يكفي من الارادة لنكون "مواطنين"، لا مجرد اعضاء في طوائف يجري الانتساب اليها بالولادة، ولأننا نستسهل التحرك في نطاق الغرائز الطائفية، ونستنكف عن الالتفات الى قوى المجتمع المدني، فننظر اليها على أنها نوع من حركة احلام المثقفين، أو نوع من ترف المثقفين، ونتوهم انها لا تلائم لبنان، ونغيب عن بالنا ان بناء المجتمع المدني هو الطريق لانقاذ لبنان، ولبناء الدولة فيه، ولترسيخ فكرة الوطن والمواطنية، ولبناء الديموقراطية الفعلية التي تستوعب تنوع الآراء في اطار الوحدة الوطنية، وتستوعب تداول السلطة بين الأكثرية والأقلية بدلا من اسطورة الديموقراطية التوافقية التي تعوق الحكم، وتجعله دوماً مرهونا لحسابات الطوائف والطائفية، فتفقد الانتخابات عندئذ ـ أي انتخابات ـ معناها، لأن من يفوز فيها لا يستطيع ان يحكم، ومن يخسر فيها يستطيع ان يحكم.

أما المسؤولية الثانية، فهي مسؤولية القوى السياسية النافذة التي عليها ان تراجع حساباتها ومواقفها، وأن تبحث عن النقاط التي يمكن الاتفاق عليها لصياغة مفهوم "الوطنية اللبنانية"… نحن نحتاج فعلياً الى تحديد هذا المفهوم، والا فاننا نبقى في حال حوار الطرشان.

إننا نخترم القوى المتنافسة في الانتخابات المرتقبة، ولكننا في الوقت نفسه نلاحظ انها تعد للانتخابات بهاجس المحافظة على المواقع والمعادلات، وقلما تلتفت الى وجوب النظر الى الانتخابات على أنها وسيلة حوارية يمكن أن تؤسس لبناء الوطن في لبنان، ما يعني بصراحة تامة أننا نحن أمام اشخاص وطوائف لا أمام برامج ورؤى وأفكار.

تتحمل هذه القوى مسؤولية تأجيل صياغة مفهوم "الوطنية اللبنانية" التي نشعر بها، من دون ان نتحاور لتحديد معناها السياسي. ولا شك في ان التهرب، أو تأجيل صياغة هذا المفهوم، لا يمكن ان يكونا مقبولين بعد تسعة عقود على انشاء لبنان الحديث.

نحن لا ننكر مخاطر "الموزاييك" الطائفي المتراكمة عبر العقود التسعة، ولكننا نستنكر القول ان هذا "الموزاييك" ذو طبيعة ازلية ابدية، فمثل هذا القول مخالف لأبسط قواعد الاجتماع البشري، وأهمها التعاون على الحاجات والمعاش بحسب التعابير الخلدونية.

وعندما نمعن النظر في هذا "الموزاييك" نجد انه مثقل بالحروب، وبالدماء، وبالشكوك، وبالمخاوف المتبادلة بين الطوائف، افلا يكفي ذلك وحده لدفع القوى السياسية الى التفكير في الخروج من هذا الموزاييك؟..

لنكن واقعيين، فنحن لا نحلم بأن نحقق ذلك في هذه الانتخابات، ولا سيما انها تجري في اطار قانون انتخاب طائفي، لكننا نأمل في المدة الفاصلة بين انتخابات 2009 وانتخابات 2013 ان يتحمل اللبنانيون مسؤوليتهم في المراقبة والمحاسبة، وأن تتحمل القوى السياسية مسؤوليتها في المراجعة النقدية لمواقفها، فانقاذ لبنان لا يمكن ان يتم ـ وفق تصورنا ـ الا بحياة مجتمعية مدنية متحررة من القيد الطائفي، والتغيير لا يكون الا بتغيير قانون الانتخاب نحو قانون عصري مدني، ونحو التخلص من اسطورة الديموقراطية التوافقية وكوارثها السياسية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل