#dfp #adsense

تصدّع الجدار العربي

حجم الخط

تصدّع الجدار العربي

حين كنا شبابا في سبعينات القرن الماضي نخرج بالآلاف من المدارس والجامعات للتظاهر بغضب في شوارع بيروت دفاعا عن القضية الفلسطينية وكرامة الأمة العربية، كانت العروبة تحتضن الجميع دون أي تمييز بين الأديان والمذاهب. كان القائد الاعلى للثورة الفلسطينية "أبو عمار" يلتحف بفخر الكوفية دلالة على انتماء قضيته الى الاسرة العربية. فقد حرص زعيم الثورة على هويته العربية تماما كحرصه على حق العودة. لذا شكلت الثورة الفلسطينية الذراع العسكرية التي حمت الوطن العربي من أعداء الأمة. لكن الذراع تهشمت بفعل الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982، فكانت الاستباحة. مجازر صبرا وشاتيلا عام 1982، معركة النظام السوري ضد حركة "فتح" في طرابلس ورحيل ياسر عرفات بحراً عام 1985، نشوب "حرب المخيمات" بين عامي 1985 و1988 واحباط حركة "أمل" عودة "أبو عمار" الى جبهة الجنوب. إلا أن الصفعة الكبرى التي تلقتها العروبة أتت بفعل الممارسات الظالمة للاحتلال السوري وإقدام مخابراته على خنق حريات اللبنانيين على مدى ثلاثين عاما، ما أدى الى تصدع الجزء الاكبر من الجدار العربي. كما ان عدم توصل العالم الى حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية عبر عملية السلام سمح للجمهورية الاسلامية في ايران باختراق الجدار العربي المتصدع وتصدير الثورة الاسلامية الى عمق الساحة العربية بالتنسيق مع النظام السوري، فكانت ولادة كل من "حزب الله" في لبنان ونمو حركة "حماس" في فلسطين.

وبينما حرص "أبو عمار" على حمل البندقية في يد والهوية العربية في اليد الاخرى ليصبح رمزا للنضال العربي، نلاحظ أن السيد نصرالله حمل البندقية في يد والهوية الشيعية في اليد الاخرى ليصبح رمزا للمقاومة الشيعية. وبدلا من ان يعمد "حزب الله" الى تقليص الشقاق التاريخي بين أهل السنة والشيعة ليقف الجميع الى جانبه، ذهب يغذي المذهبية باستحضاره واقعة كربلاء في مهرجانات دعم المقاومة، ما أثار قلق الاكثرية السنية في لبنان والعالمين العربي والاسلامي؛ اضافة الى محاولة الحزب نشر المذهب الشيعي عبر دمج الخطاب الديني بالخطب السياسية، كاشفا غاية "حزب الله" وأطماع ايران الاقليمية باستخدام القضية الفلسطينية لاحداث تمدد للنفوذ الشيعي داخل الوطن العربي. كما ان اكتفاء قادة الحزب بالتركيز على "النصر الالهي" وتناسي تاريخ التضحيات التي قدمتها الجيوش والشعوب العربية منذ عام 1948 خصوصا تضحيات المقاومة الفلسطينية منذ ولادة الكفاح المسلح عام 1965 عبر استشهاد عشرات الآلاف من الفدائيين في صراعهم الطويل والمرير مع البربرية الاسرائيلية، هو تحوير مريب بل مقصود لتاريخ النزاع العربي – الاسرائيلي يهدف الى بسط النفوذ الشيعي على أنقاض الهوية العربية.

وإن كانت غالبية العرب اختارت طريق المفاوضات لاستعادة الحقوق العربية والفلسطينية بعد خوض جيوشها حروبا ضد العدو الاسرائيلي، فان هذه الغالبية ترفض ان تنتهز ايران عدم التوصل الى حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية لكي تزعزع طهران الانظمة العربية بواسطة "حزب الله" وحركة "حماس". فاتهام السيد حسن نصرالله المسؤولين المصريين بأنهم "شركاء في الجريمة والقتل والحصار" على قطاع غزة، ومن ثم تحريض الشعب المصري وجنرالات وضباط وجنود القوات المسلحة للتحرك ضد قيادتهم السياسية، هو بمثابة خطوة تمهيدية لقلب النظام. صحيح ان المواطن المصري رفع بالامس صور السيد نصرالله في شوارع القاهرة إبان حرب تموز 2006 مؤكدا بذلك إعجابه وابتهاجه بـ"النصر الالهي"، إلا أن دعوة السيد نصرالله للانقلاب على النظام المصري لم تلق أي صدى شعبي، مما يؤكد رفض المصريين اي تدخل خارجي في شؤون العرب الداخلية، إذ ليس من المنطق ان يكون ثمن استعادة فلسطين تمدد "|لقبضة الحسينية" وهيمنة ايران على الوطن العربي دولة تلو دولة.

إننا نعترف بأن الهوية العربية ليست بخير وهي تفتقر الى الكثير من التحديث. فالعروبة ما زالت بعيدة عن بلوغ شاطئ الحرية والعدالة والديموقراطية واحترام حقوق الانسان. فمن الحكام العرب من مارس "عروبة الاضطهاد" فزجّ من زجّ من مواطنيه في السجون واغتال الآخرين، ومنهم من مارس "عروبة القمع" فنشر أجهزة المخابرات وكمّ الأفواه وأغلق الصحف ومحطات التلفزة وقمع التظاهرات، ومنهم من مارس "عروبة التخوين" حيث الصقت تهم العمالة لاسرائيل بكل مواطن يخالف رأي الحاكم؛ لكن رغم انحدار العروبة المريع، فانها لا تزال السبيل الافضل لرعاية وحدة لبنان وحماية هوية المجتمع العربي لجعلهما أكثر انفتاحا على مختلف ديانات العالم وشعوبه وحضاراته.

إن إعادة بناء الجدار العربي المتصدع حاجة ضرورية لاعتراض الاطماع الايرانية داخل لبنان والوطن العربي، اذ لا استقرار للطوائف اللبنانية تحت مظلة "القبضة الحسينية" مهما حاول "التيار الوطني الحر" التكيف والاندماج او صياغة أوراق التفاهم المشتركة. فعروبة التسامح والاعتدال والانصاف هو ما نبحث عنه، لا نموذج احتلال وسط بيروت وغزوة 7 ايار للعاصمة والجبل وفلسفة قطع اللسان وكسر اليد وثقافة الدم المسفوك التي دمرت لبنان بالامس وقطاع غزة اليوم على رؤوس السكان بعد انشطار البيت اللبناني والفلسطيني. فهل يتمكن العرب من اعادة بناء جدارهم أم أنهم في حاجة الى المساعدة التركية؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل