ملف الحريري يقوده "قاضي ما قبل المحاكمة" وقراراته "تحت الفصل السابع":
انتقال الموقوفين من لبنان الى لاهاي حتمية قانونية
الطريق الى مقر المحكمة الخاصة بلبنان سهلة جدا بالنسبة الى الزوار، بوجود شبكة مواصلات هولندية متقدمة للغاية، لكنها تبدو معقدة بعض الشيء بالنسبة الى ملف اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والموقوفين في إطاره.
فإذا كان الزائر يستطيع أن يستقل قطارا من مطار شيبول إلى لاهاي ومن ثم قطارا آخر من لاهاي الى لايدشندام، حيث مقر المحكمة، فإن الملف وموقوفيه بحاجة الى خارطة طريق أكثر تعقيدا.
ويؤكد المسؤولون في المحكمة، التي تبدأ أعمالها رسميا في الثانية والنصف بعد ظهر الأحد، الأول من آذار 2009، أن أمام المدعي العام مهلة ستين يوما، تبدأ في الأول من آذار وتنتهي في الثلاثين من نيسان لطلب الملف الموجود بعهدة القضاء اللبناني (القضاء وكل سلطات الدولة اللبنانية تختصر تسميتها، بالإنكليزية، بمصطلح الحكومة اللبنانية) وعندما يقرر ذلك يحيل الطلب على قاضي الإجراءات التمهيدية، الذي له وحده صلاحية مخاطبة السلطات اللبنانية، لإيداعه الملف مع موقوفيه.
في مقر المحكمة لا يكتسب الموقوفون في الملف ميزة تفاضلية عن الأوراق والأدلة التي فيه، فبالنسبة لهم، فإن الموقوفين في هذه المرحلة لا يمكن اعتبارهم أكثر من ورقة في الملف، ومستقبل التعاطي معهم منوط بدرس أوضاعهم وتمحيصها بشكل علمي دقيق.
وهذا يعني أن المدعي العام الكندي دانيال بلمار، الذي يبدي عجلة في نقل الصلاحية اليه، لن يكون قادرا على التحرك قبل تعيين قاضي الإجراءات التمهيدية.
وقاضي الإجراءات التمهيدية سيكون صلة الوصل بين لبنان والدول الاخرى المعنية بالملف من جهة، وبين النيابة العامة التابعة للمحكمة من جهة أخرى، ما يعني أن لبنان والدول المعنية لن تكون في مواجهة مع فريق في الدعوى، هو النيابة العامة، إذا قررت عدم التعاون، بل ستكون في مواجهة مع سلطة قضائية دولية مستقلة، تكتسب مشروعيتها من القرار 1757 الصادر تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
وخلافا لما يتم ترويجه في بيروت، ليس هناك في لايدشندام أو في منتديات قضائية دولية عريقة، حدود فاصلة بين أمور خاضعة للفصل السابع وأخرى خاضعة للفصل السادس، على اعتبار أن النظام التأسيسي للمحكمة، كما "الضميمة" التي تتضمن الإجراءات التنفيذية، تقع كلها تحت أحكام القرار 1757 الصادر تحت الفصل السابع.
بهذا المعنى، فإن القرارات التي تصدر، بعد طلب من المدعي العام، عن قاضي الإجراءات التمهيدية (قاضي ما قبل المحاكمة، وفق الترجمة الحرفية للمصطلح المستخدم باللغة الإنكليزية) تكون قرارات قضائية ملزمة للجميع، بغض النظر عن طرق التنفيذ التي سوف تتبع لتجسيد التعاون المطلوب.
وعلى هذا الأساس، فإن مكتب المحكمة الذي سيتم افتتاحه في بيروت، بعدما جرى اختيار مبناه (مقر سفارة إفريقية سابقة في المونتيفردي) لن يكون بامرة المدعي العام بل سيكون تابعا لرئيس المحكمة قضائيا ولقلم المحكمة إداريا، وسيتولى شؤونه الكندي بيتر فوستر المسؤول عن الشؤون الخارجية بالإضافة للشؤون العامة.
ورئيس المحكمة لن يُعرف اسمه قريبا، بل سوف يتم تعيينه في وقت لاحق عند استدعاء جميع القضاة المعينين (11 قاضيا) لانتخاب واحد منهم رئيسا وآخر نائبا للرئيس.
وهؤلاء جميعهم يعكفون الآن، بعدما جرى تبليغهم قرارات التعيين، على وضع النظام الداخلي للمحكمة، وهو نظام الإجرءات التي سوف تتبعها في التعاطي مع الشهود والمدعى عليهم والمتهمين والدفاع، بطريقة تمزج بين إجراءات قانون الجزاء اللبناني وإجراءات القانون الجزائي الدولي، حيث سيكون لافتا، للمرة الأولى، هذا التناغم غير المسبوق بين إجراءات القانون اللاتيني ("كود نابليون" المتبع في لبنان) والقانون الأنغلوساكسوني ("كومين لو" المتبع في الإجراءات الجزائية الدولية).
ويبدو بارزا أن أحدا من المسؤولين في مقر المحكمة الخاصة بلبنان، لا يملك "أجندة" واضحة بالتواريخ، ولكنهم يجمعون على وعد واحد: المسافة الزمنية لن تكون بعيدة بين افتتاح أعمال المحكمة وبين التعيينات المرتبطة بها.
وصدقية هذا الوعد تنطلق من واقعة ثابتة: النيابة العامة مصرة على تكثيف أعمالها ليكون ملف الحريري جاهزا في غضون أشهر من انطلاق الإجراءات التمهيدية للمحاكمة، الأمر الذي يعني أن التأخير مستحيل على جبهات عدة ومنها صدور النظام الداخلي للمحكمة وبدء أعمال قاضي الإجراءات التمهيدية التي من دونها يستحيل طلب نقل الملف من قصر العدل في بيروت الى مقر المحكمة الخاصة بلبنان في لايدشندام.
وفي هذا الإطار، يروي بيتر فوستر (الكندي المسؤول عن الشؤون العامة والخارجية في المحكمة) وسوزان خان (الفلسطينية المسؤولة عن مكتب الصحافة والناطقة باسم المحكمة) في جولة مع "المستقبل"، في القاعة التي اختيرت لتكون قاعة المحاكمة، أن الجهاز الإداري للمحكمة أنهى مناقصة لتجهيز القاعة رست على شركة هندسية عليها تسليم القاعة في مدة تتراوح بين أربعة شهور وخمسة.
وفي الإنتظار فإن المحكمة الخاصة بلبنان تنتظر حدثين: الأول إعلامي والثاني تاريخي.
الحدث الإعلامي سيكون في الرابع والعشرين من شباط الحالي، وفيه سوف يتحدث ناطق باسم إدارة المحكمة وناطق باسم لجنة التحقيق الدولية.
هدف هذا المؤتمر التعريف بالمحكمة والإجابة عن أسئلة الصحافيين والإعلاميين والتحضير لحدث الأول من آذار التاريخي، الذي ستنقله وسائل إعلام عدة تتقدمها قناة "أخبار المستقبل"، مباشرة على الهواء.
أما الحدث التاريخي فسوف يشهد كلمات لكل من دانيال بلمار (ثمة من يؤكد أنه يحضّر مفاجأة ما يزفها الى اللبنانيين) وروبن فنسنت (ناظر المحكمة) وباتريسيا أولبراين (المسؤولة عن المنظمات في الأمم المتحدة)، كما لم يؤكد شخصان مهمان حضورهما لإلقاء كلمتين مرتقبتين لهما. ولم يتم الكشف عن اسمي هاتين الشخصيتين بعد، لكن المؤكد أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون واحد منهما.
