جردة حساب لثمانية اشهر من عهد الرئيس سليمان…
استلم الرئيس ميشال سليمان منذ نحو الثمانية اشهر بلداً منقسماً على بعضه البعض، حكومة مشكوك بشرعيتها من قسم كبير من اللبنانيين، صراعات وتباينات خطيرة وحادة بين القوى والأطراف السياسية اللبنانية، باختصار بلد على شفير حرب داخلية.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فمن واجبنا اليوم وبعد ملاحظات عن حسن نية من هنا وعن سوء نية من هناك ان نقوم بجردة حساب عما فعله الرئيس سليمان خلال هذه الفترة القصيرة من عهده… وما حقق من مكاسب داخلية وخارجية ارضاء للضمير (اذا وجد عند البعض).
1- نقل الرئيس سليمان الصراع من الشارع إلى طاولة الحوار، بعدما كاد الخلاف والانقسام الداخلي والاحتكاكات على الأرض ان تتطور إلى حرب داخلية، فنقلت هذه الملفات إلى طاولة الحوار وإلى داخل قاعة في القصر الجمهوري حيث النقاشات هي السقف لكل خلاف فيما كان الخطاب السياسي قادراً على تفجير البلاد.
أفلا يعدّ هذا عملاً جيداً بعد ما كان لبنان ساحة حروب مفتوحة؟
2 – شعر الرئيس سليمان بان القانون الانتخابي في لبنان هو قانون غير عادل وغير متوازن ويرفضه معظم الناس، فشجع ودعم وزير الداخلية من اجل الإسراع في إصدار القانون الانتخابي الذي تم التوافق عليه في الدوحة فتم تثبيت يوم لإجراء الانتخابات وهو ( 7 حزيران المقبل) وقامت وزارة الداخلية بكل الإجراءات القانونية واللازمة من اجل إجرائها في يوم واحد وهذا شيء هام بحد ذاته يسجل ايضاً للرئيس.
3 – بقي لبنان لثلاثة عقود تحت الوصاية السورية، ولم تنجح كل المحاولات حتى بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان لإقامة علاقات دبلوماسية مع سوريا، وكانت المماطلة سيدة الموقف حتى انها كانت خارج التداول إلى ان انتخب الرئيس سليمان، حيث قام بزيارة تاريخية لسوريا، وكانت نتائجها فتح سفارتين في كل من البلدين وتعيين سفيرين إلى جانب البدء بترسيم الحدود عبر لجان مشتركة.
والسؤال المطروح في هذا المجال، ألاّ يعدّ هذا الأمر إنجازاً تاريخياً يسجل للرئيس سليمان بعد سنين طويلة كان الحديث عن هذا الموضوع خيانة وعمالة، الم يكن هذا الإنجاز حلماً يراود معظم اللبنانيين وحاول معظم رؤساء الجمهورية قبل العام 1992 ومنذ الاستقلال تحقيقه ولم يوفقوا؟
نعم انه الإنجاز الأهم بعينه، لأن الرئيس سليمان استطاع بشخصيته التوافقية وبما يملكه من تقدير واحترام لدى القيادة السورية أن يقنع الرئيس الأسد بأهمية هذه الخطوة التي تبعث الارتياح بين الشعبين اللبناني والسوري وبين المسؤولين في كلا البلدين.
4 – لم يشهد لبنان رئيساً للجمهورية بديناميكية الرئيس ميشال سليمان، حيث قام بأكثر من 15 زيارة إلى الخارج خلال مدة قصيرة من ولايته ليأتي الثمار دعماً للبنان الوطن وللمؤسسة العسكرية ولمصلحة لبنان وشعبه.
الجولات الخارجية للرئيس سليمان انتقدها البعض لأسبابه الخاصة، ونسأل هذا البعض أيا كان هل كان موافقاً على تمثيل لبنان بوفدين، وفد يقوده رئيس الجمهورية ووفد يقوده رئيس الحكومة؟
هل يوافق هذا البعض على إلقاء كلمتين للبنان في المؤتمرات الدولية، واحدة يلقيها رئيس الجمهورية وأخرى رئيس الحكومة؟
ان جولات الرئيس إلى الخارج أعادت الهيبة إلى الموقع الأول في الدولة، وها هو موقع الرئاسة المرجعية الأولى، حيث توجه الدعوات من رؤساء الدول إليه مباشرة فهو يشكل الوفود ويحدد المواعيد، ويقرر الذهاب او عدمه إلى المؤتمرات، وها هو لبنان يعود تدريجياً إلى دولة على رغم محاولات البعض إعادته إلى الوراء.
وهل ينسى اللبنانيون ما حققت زيارات الرئيس من دعم للجيش اللبناني بدءاً بإرسال الولايات المتحدة الذخيرة والأعتدة، مروراً بعشر طائرات ميغ 29 روسية الصنع قدمتها موسكو، حيث أعلن وزير الدفاع الروسي بأن طائرات الميغ العشر هي هبة للبنان ولجيشه.
وكذلك زيارتيه الأخيرتين لكل من البحرين والأمارات العربية المتحدة والتي دلت على مدى الاحتضان العربي للرئيس ولنهجه التوافقي حيث قدمت البحرين هدية سياسية ودبلوماسية هي عبارة عن فتح سفارة لها في بيروت، وقدمت الأمارات العربية المتحدة 10 طوافات من طراز "بوما" إلى الجيش اللبناني، وهي التي كانت قد قدمت خلال حرب البارد طوافات من طراز "غازيل" إلى هذا الجيش ايضاً.
هناك ايضاً إنجاز سياسي ودبلوماسي يعمل له بصمت وبعيداً عن الأضواء والأعلام وهو سيعيد للبنان سيادته واستقراره خصوصاً على حدوده وهو العمل مع قنوات دبلوماسية ودولية من اجل إجبار إسرائيل لإخلاء مزارع شبعا ووضعها في عهدة الأمم المتحدة.
"صدق من قال ان الدنيا وجوه وأعتاب". منذ العام 1992 واللبنانيون يسمعون بمساعدات وأموال للدولة وهبات للجيش اللبناني وكله كان حبراً على ورق ووعوداً بوعود. فمنذ وصول الرئيس سليمان إلى السلطة تحقق للبنان العديد من الوعود وذلك بسبب إيمان وثقة هذه الدول بشخص الرئيس وحكمته وطريقة أدارته للأمور.
لا يمكن لأي مسؤول لبناني ان يغفل للرئيس سليمان حقه، فيما رؤساء دول عظمى أشادت به، فالرئيس بوش اعتبر عهد الرئيس سليمان حقبة للمصالحة السياسية، وأمين عام الأمم المتحدة اعتبر ان عهده إحياء لكل مؤسسات الدولة، فيما الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نوّه بأن هذه المرحلة هي مرحلة مركزية لحل الأزمة اللبنانية، دون ان نتحدث عن الاحتضان والاحترام العربي والإقليمي للرئيس سليمان ومدى التقدير الذي يخصونه به وهذا ما يحتم على القادة السياسيين اللبنانيين الإقتداء بالقادة والمسؤولين في العالم العربي والغربي والإقليمي وتقديم كل دعم جدي للعهد ورئيسه في توجهاته هذه ووضع المصالح الشخصية والذاتية جانباً من اجل عودة هذا البلد إلى سابق عهده. لقد حاولت الأطراف السياسية ان تحدد للرئيس حصته في الحكومة في المرة السابقة، مع العلم ان الأصول واللياقة تقضيان بإعطاء الرئيس الثلث المعطل داخل الحكومة ليستطيع ان يحكم ويكون حكماً فعلياً لديه القدرة على تعطيل القرارات التي يمكن ان تؤدي إلى انقسامات حادة وخطيرة بين اللبنانيين ومن اجل تصويب الأمور داخل مجلس الوزراء.
ان ما يحصل اليوم كان بالامكان تفاديه (السجالات والخلافات حول الصناديق والمجالس والموازنة والتنصت وغيرها) لو كان لدى الرئيس القدرة على الحسم ولديه الثلث الضامن داخل مجلس الوزراء كما نص عليه اتفاق الطائف.
لقد سئم اللبنانيون هذا الوضع وهم يقدرون عالياً ما يقوم به رئيس البلاد ويميزون جيداً بين الحق والباطل ولو حاول بعض السياسيين حجب الحقائق عن عيونهم.