#adsense

الجنرال وكوابيس 14 شباط

حجم الخط

آكل لحوم الشهداء
الجنرال وكوابيس 14 شباط

رد فعل جنرال الرابية على احياء ذكرى جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري لا يمكن ان يقال فيه الا انه جريمة لفظية متواصلة مكتملة العناصر. الجنرال يكتوي حقدا لأنه يكتشف يوما بعد يوم ان الحريري الذي غاب بجسده لم يغب بحضوره. اكثر من ذلك، هو يكتشف ان هذا الحضور لا يزال يملك مقوّمات انتصاره على عون تحديدا.

لا يفهم الجنرال كيف ان حضوره او غيابه لا يتجاوز كونه صفقة يحدد شروطها النظام السوري. حضوره او غيابه مسألة قياس تختلف باختلاف المخططات. يُطرد عندما تتطلب مصالح الوصاية السورية ذلك، ويعاد استخدامه وفقا للشروط نفسها. وفي حين أن إبعاد عون لم يكن يحتاج الى أكثر من طائرات حربية لم تغادر قواعدها او تسجل حضورها العسكري التاريخي الا فوق قصر بعبدا، استوجبت حالة رفيق الحريري اغتيالات معنوية ممهدة للاغتيال الفعلي، لأن التعامل حينها كان مع الرقم الصعب ولا مجال للمساومة معه. القاتل كان يعرف ان الرجل سيغيّر المعادلات لأنه اخذ قراره وانحاز الى لبنان. تالياً كان مستوى الارهاب فظيعا. الا ان هذه الجريمة الارهابية لم تقفل الملف وفق رغبة القاتل، لذا استتبعها بمسلسل من التفجيرات والاغتيالات والحروب العبثية. كل هذا الدم لم يمنح القاتل انتصاره. وكأنما كلما رفع منسوب جرائمه ازداد حضور رفيق الحريري قوة واعطى زخما لمشروع ولادة الوطن.

المعادلة بسيطة وكفيلة إثارة الغرائز القائمة على الحقد لدى الجنرال الذي يعيش كوابيسه قبيل كل عودة الى الرابع عشر من شباط. لا يريد الجنرال ان يفهم ان مفاعيل دم الحريري اخرجت الوصاية السورية التي كان يسمّيها احتلالاً. او انه لا يريد ان يفهم. لذا سارع الى الارتماء في الحضن السوري نكايةً بالشهيد ومفاعيل دمه. يغضبه ان الشهيد لم يصبح فقيد العائلة فقط بل شهيد الوطن.

الشهوة النازية

اما وقد حل الرابع عشر من شباط، وبعدما ثبت بالوجه الشرعي الغروب المبكر لشمس تطويبه "جنرال انطاكيا وسائر المشرق" ليعود الى الرابية خامدا وشبه منسي لولا اصراره على اطلالاته الاسبوعية إضافة الى استقباله طرابين الحبق من قياس "أمرك سيدنا"، فها نحن حيال حاقد تقتله الهزيمة. لذا تستعر الرغبة لديه بإعادة فعل القتل يوما بعد يوم. الا ان هذه الرغبة تنكل به لأنها لا تعوض عجزه عن القتل الفعلي، فيكتفي كاظما غيظه بالقتل اللفظي. يقطع الاوصال ويضع الناس، كل الناس، اذا سنحت له الفرصة في خلقينة كبيرة ويغليهم في السياسة. ويقول: "الشعوب كالسوائل يعوم على وجهها إما زفرة وإما كريما وعلينا أن نزيل الزفرة ونبقي الكريما. هذه الزفرة يجب أن تزول في الانتخابات".

المسألة ان هذا القتل المتواصل لا يمنح الجنرال الا مزيدا من التوتر ومزيدا من الحقد. فمن يقرأ ويسمع ويرى لا بد ان يرتجف ويقشعر بدنه من الحجم الهائل للحقد في كل ما يصدر عن الاجتماع الاسبوعي الصوري الذي لا يتجاوز كونه مناسبة ليخرج الى المنبر ويقصفنا بما تيسر من مواقف تشي بالمرض والادمان. لم يعد خافيا على احد ان الجنرال يحقد على جميع شهداء 14 آذار وينقضّ على قبورهم كأن كل من في القبور لا يشبعون شهيته المريضة لافتراسهم بلذة مقرفة. لا يمكن أي عاقل ان يفسر كتلة الحقد التي تحرك الرجل بأي بعد سياسي او ايديولوجي او انتخابي او اي تحليل يمت الى السلوك الطبيعي بصلة.

الجنرال المستغرب

الامر لا يتعلق بموالاة الشهيد او معارضته. المسألة تتعلق بالاخلاقيات التي تبيدها المواقف المزدوجة. "نستغرب سكوت المراجع الدينية عن الفساد"، يقول الجنرال، الذي يطيب له ان يتحدث بلغة الجمع، في سعيه المتواصل لإغتيال مقام البطريرك الماروني مار نصر الله صفير. ونحن ايضا "نستغرب" رضا الجنرال عن البطريرك عندما اطلق الاخير فتواه الشرعية عشية انتخابات جبل لبنان عام 2005 بحق المسيحيين في اختيار نوابهم. هذه الفتوى التي اعطت عون كتلته، لم تكن في اعتباره انحيازا او تغليبا لطرف على طرف. ربما اعتبرها جنابه فرضا واجبا. لكن التجربة المتمثلة بأربعة أعوام من الخيبات في حسابات البطريرك الذي لم يجد بدا من التصريح بأن فوز المعارضة سيؤدي الى اخطاء تاريخية في الكيان اللبناني، ليصبح الإنحياز جريمة تستحق حملة قاسية على الرجل الذي لا يريد عون ان يسمح له بفرض رأيه على المسيحيين.

عون الذي اعتبر ذات حزيران 2006 ربما، ان التعرض في برنامج ساخر لشخص الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله يمنح جمهور السيد تبريرا ليقوموا ببروفة احتلال بيروت، لا يجد غضاضة ليعتبر تدخل صفير في السياسة جريمة لا تغتفر.

المواقف المزدوجة نفسها تتكرر مع النائب ميشال المر الذي كان حليفا صالحا وفاعلا لمساعدة الجنرال على اغتصاب بعض المقاعد النيابية في انتخابات 2005 و2007. الا انه وفي طبعة انتخابات 2009، ووفق موقع "التيار" العوني، "بنى امبراطوريته المتنية… التزوير والتجنيس وخطف منافسيه…".

ونحن علينا ان لا نستغرب. صرنا نعرف ان لا كبير في حساب الجنرال المستغرب الا من يعجز عن مواجهته من الاحياء، ليصب حقده على الشهداء الذين لا تجمعه واياهم ورقة تفاهم.

من هنا يصبح الخوف على لبنان من الجنرال غير مرتبط بالانحياز الى الحريرية السياسية او بالانسياق الرومنطيقي لحلم ثورة الارز وحركة "14 آذار". الانتقادات كثيرة اذا اردنا، سواء للمسيرة الحريرية او لما آلت اليه "14 آذار". لكن كل الاخطاء تبقى اقل خطرا بكثير، مما يمكن ان يحلّ بلبنان إن تسلّم هذا الجنرال زمام البلاد ورقاب العباد.

المسألة تتعلق بالأخلاقيات، بأولوية حماية ذكرى جميع الذين سفكت دماؤهم من اجل لبنان. هذه الاولوية تقودنا في إتجاه الدفاع عن الاخلاقيات حتى لا يفترسها آكل لحوم الشهداء.

المصدر:
النهار

خبر عاجل