#adsense

وعد الشؤم ورؤية اليأس!

حجم الخط

وعد الشؤم ورؤية اليأس!

41 عاماً ليست احيانا عمراً كافياً لكي تحل الاقنعة محل الوجوه، او لكي يتلطى الواقع البشع وراء الديبلوماسية الخادعة والتصريحات الماكرة.

وهكذا فإن الشاب ديفيد ميليباند، وزير خارجية بريطانيا الذي بالكاد تجاوز الاربعين، لم يتردد في ان يقول كلاما بسيطا واقعيا وصادما يعبّر عما يراه في ازمة الشرق الاوسط، وهي اقدم الازمات واعقدها واكثرها مأسوية في هذا العالم المتوحش.

يقول ميليباند إنه يشك في امكان ايجاد حل لازمة الشرق الاوسط في خلال حياته.

ترى كم سيعيش ميليباند ونحن بالطبع نتمنى له طول العمر؟ سيعيش ثمانين عاماً او لنقل تسعين؟ اذاً هذا يضاعف العار الذي يلطخ الشرعية الدولية. وكل ما يقال عن الحق والعدل وقرارات الامم المتحدة وارادة الدول الكبرى في ايجاد حل لهذه الازمة.

طبعا ان الوفود الاميركية التي تجول في المنطقة لم تتوقف عند كلام ميليباند. والسيناتور جون كيري لم يقرأ. كان يقف مذهولا امام جبال الركام والدمار في غزة. غزة التي يقول ميليباند إنه بعد تعرضها للقصف الاسرائيلي، اصبحت تسوية القضية الفلسطينية اكثر صعوبة "لأن من الواضح ان المشكلة هي امن اسرائيل والتطبيع مع كل الدول العربية"!

في اي حال يستطيع جورج ميتشل مبعوث الرئيس باراك أوباما ان يجري عملية حسابية بسيطة ليعرف كم ستعمّر هذه المأساة، التي يجب ان تغرق وجدان العالم بالإثم وبما لا يقاس بما فعلته النازية باليهود.

يستطيع فعلا ان يجري حسابا بسيطا. فقبل 92 عاماً، اي عام 1917، اطلق البريطاني آرثر جيمس بلفور وعده الشهير باقامة دولة اسرائيل على الاراضي الفلسطينية، والآن يقف واحد من الاحفاد البريطانيين ليقول إنه يشك في قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة في خلال حياته التي لا تزال في اولها.

وعلى هذا الاساس فان الوعد الآثم الذي اطلقه بلفور قد تحملت بريطانيا اوزاره. اما الرؤية اليائسة للحل فتشكل إثماً مضاعفاً يتحمل العالم كله أوزاره.

طبعا ميليباند لم يغال عندما قال: "انا شخصيا لست قادرا على الاعتراف لنفسي بان انشاء الدولة الفلسطينية لن يحدث، لكن ما اعرفه هو ان كل عام يمر يجعل هذا الحل اكثر صعوبة لاسباب ليس اقلها وقوع المزيد من حمامات الدم".

ويكفي في هذا السياق ان يتأمل المرء في امور ثلاثة لكي يدرك صعوبة الحل، او بالاحرى التلاشي التدريجي اللاحق به:

اولاً: جنوح المجتمع في اسرائيل نحو التطرف والعنف. ففي ظل حمامات الدم التي اقامها جيش العدو ضد الفلسطينيين، افرزت الانتخابات الاسرائيلية اتجاها حاسما نحو التطرف. والآن، مع الحكومة المتوقعة للثنائي بنيامين نتنياهو وافيغدور ليبرمان، لن يكون هناك إلا المزيد من التطرف والعنف والدم.

ثانياً: غرق الفلسطينيين في الانقسام والصراعات الاهلية بفعل التدخلات الاقليمية التي تستعملهم اوراق مفاوضات محتملة مع الاميركيين وتريد ان تكتسب دورا ونفوذا في المنطقة، وهو ما يجعل الامور اكثر صعوبة وتعقيدا.

واذا اضفنا الى هذا التشظي الفلسطيني الانقسام العربي المؤذي والمؤلم، لا بل المدمر، وهو حاصل ايضا بفعل التدخلات الاقليمية عينها وللاغراض المتصلة بالنفوذ او بمفاوضة الاميركيين في مسألة النوويات والادوار والاحجام، تكتمل معالم الصورة في أبعادها المؤسفة.

ثالثاً: الانحياز الاميركي والغربي السافر الى العدو الاسرائيلي، وذلك بفعل تراكمات بدأت قبل سبعة عقود ونيف بالغياب العربي المطلق عن مراكز التأثير والتنوير في الغرب، وانتهت اخيرا بنجاح الصهاينة في إدراج العرب على لائحة الارهاب المعادي للعالم، مرورا طبعا بنصف قرن من الانخراط في محاور الثنائية الكونية بين الشيوعية والرأسمالية، وهو ما ساهم ايضا في تقسيم العرب آنذاك كما ينقسمون اليوم بين الممانعة والاعتدال.

ربما في ضوء كل هذا يستطيع المرء ان يفهم اهمية الانتفاضة التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله في قمة الكويت عندما دعا كل الدول العربية الى تجاوز خلافاتها والخروج من حال الفرقة الى استعادة الوحدة والتضامن وتكاتف الموقف والكلمة، اولا في مواجهة اسرائيل وثانيا لافهام الدول الكبرى انه لم يعد مقبولا استمرار المأساة الفلسطينية. فالقبول بمبدأ السلام العادل والشامل وفقا لقرارات الشرعية الدولية، وهو ما تعرضه "المبادرة العربية للسلام"، مسألة لن تبقى مطروحة الى الابد، في وقت تواصل اسرائيل عدوانها واحتلالها للاراضي الفلسطينية والعربية، بينما تواصل اميركا والغرب التغاضي عن هذا العدوان، وتستمر قوى اقليمية في التلاعب بوحدة الفلسطينيين والعرب لامتلاك اوراق الضغط والمفاوضة على مسائل النفوذ والنوويات مع اميركا والغرب !

المصدر:
النهار

خبر عاجل