"منصة الفقيه"
اعلان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان عشية بدء حرب غزة في نهاية العام الماضي ويوم امس ان جنوب لبنان لن يكون "منصة لاطلاق الصواريخ"، تعرّض للامتحان مجدداً في منطقة المنصوري على الساحل الجنوبي الحدودي. لكن ذلك لا يعني سقوط الارادة اللبنانية التي عبّر عنها الرئيس سليمان في عدم جر لبنان الى أتون الصراع الاقليمي خدمة لاهداف "مجهولة" على غرار الجهات التي توصف بأنها "مجهولة" والتي تقيّد حوادث اطلاق الصواريخ في خانتها. لكن حادث الامس يؤكد ايضاً ان الارادة اللبنانية هذه لم تنتصر.
الموضوع تفصيل من ضمن لوحة أشمل هي وقوع لبنان في قبضة "ولاية الفقيه" الايراني الذي احتفل قبل أيام بمرور 30 عاماً على ثورته المظفرة. وهذه القبضة تمثّل بيت القصيد في المسار والمصير اللبناني. وأهم انجاز لهذه الثورة اقليمياً ودولياً هو "حزب الله" في لبنان، حيث لا انجاز آخر يقارن بهذا الانجاز خارج ايران. فالفقيه الايراني تراجع في العراق على رغم ظاهرة مقتدى الصدر التي تضاهي ظاهرة "حزب الله"، وانكفأ في غزة حيث "حماس" لا تقل شأناً عن "حزب" لبنان. واعتذر في البحرين عما بدا انه سقط سهواً في سياق الاعتقاد ان غالبية شيعية هناك كفيلة بتكرار ظاهرة لبنان.
لماذا يتراجع الفقيه الايراني في كل المنطقة والعالم ويثبت في لبنان فقط؟
الجواب ليس خافياً ولا معقداً فـ"حزب الله" الذي قبض على ناصية طائفته استفاد من طوائفية لبنان. فالهاربون المذعورون امس من منطقة المنصوري خوفاً من الانتقام الاسرائيلي هم أنفسهم الذين فرّوا من جحيم حرب تموز 2006 ومن سائر حروب الجنوب والداخل منذ أكثر من ثلاثة عقود. ولكنهم وجدوا أنفسهم في حضن الخوف من الحساب الطائفي، الذي بات مزعوماً مستغلاً موظفاً منذ اندحار الوصاية السورية عن لبنان عام 2005.
ولو لم يكن "حزب الله" الانجاز الأكبر للفقيه الايراني على الصورة التي هي عليها اليوم حيث يتمتع بقدرة عسكرية لها مفاعيل سياسية لا مثيل لها، هل كان ليحدث في لبنان ولا يزال يحدث منذ العام 2005؟
لا يختلف اثنان على تأثير سلاح "حزب الله" على مصير لبنان. انه يمنح مظلة واقية للصواريخ "المجهولة" مع نفي علاقته بها. ويعطي هامشاً لتابعه الشيعي الرئيس نبيه بري الذي يقاتل منذ الآن للفوز بولاية جديدة في رئاسة مجلس النواب منافساً بذلك الملوك في الاستمرار على العروش فيشاغب في موازنة مجلس الجنوب ويتجاهل مصير الجنوب نفسه. ويمنح تابعه الماروني العماد ميشال عون كل مستلزمات الابتزاز السياسي كي يحافظ على تمثيل مسيحي مهدد بالزوال في انتخابات حزيران، ما دام عون يمنح العمامة الايرانية في لبنان جبة مسيحية.
وفوق كل ذلك يمارس "حزب الله" قضاءه فوق القوانين اللبنانية والدولية. فما نشر قبل أيام عن "شبهة" ألقاها الحزب على المهندس جوزف صادر حول علاقته بـ"الشبكة الاسرائيلية" التي "اكتشفت" أخيراً في النبطية هو عينة من هذا "القضاء" الذي لا يعترف بأهم انجازات التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ويعترض على حق الاجهزة الامنية في قاعدة المعلومات الـ(DATA) مستفيداً من "عبقرية" وزير الاتصالات.
كيف السبيل الى الخروج من شبكة الفقيه الايراني الى ولاية الاستقلال اللبناني؟
اللبنانيون يكافحون منذ عام 2005 من اجل هذا الهدف. حققوا الكثير منذ ذلك العام. وهم اليوم امتلكوا قاعدة عظيمة في 14 شباط الماضي ليمسكوا بناصية مصيرهم. كما ان مشروع الدولة يشتد ساعده أكثر فأكثر حيث ستبرهن الايام انه سينتصر لتتحقق معه مقولة الرئيس سليمان حول الجنوب ولكن في اتجاه أعمّ: "لبنان لن يكون منصة لولاية الفقيه الايراني"، ونقطة على السطر.