رهان "الممانعة" على الصواريخ المجهولة النسب فيه مخاطرة كبيرة
نتنياهو يعيد الاعتبار لفكرة.. الحرب!
ثمة من يواصل، ببراءة الأطفال، لعبة الصواريخ المجهولة النسب، فيبني حساباته على أنّ العدوّ منهمك بترتيب شؤون بيته، ولا يبدو في عجلة من أمره للخروج إلى القتال، وبالتالي لا بأس بتهشيم واجهته بين الفينة والفينة، وليس من إرتدادات كارثية يجدر أخذها في البال… كما لو أنّ الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة حملت كل هذا الكمّ من المتطرّفين إلى الكنيست للالتزام بضبط النفس ليس إلا.
ثمة في معسكر الممانعة من ينظّر بشكل أو بآخر لمغامرات الصواريخ المجهولة النسب. التخريجة أنه، وبعد خيبة إسرائيل في حربي لبنان وغزّة، لا مقدرة أو جلد للعدوّ لخوض حملة تدميريّة نوعيّة جديدة قبل بضع سنوات، وليس ينبغي انتظار انقضاء كل هذه السنوات للمواجهة، فقد تضعف العصبية أو تهون الهمّة طيلة هذا الوقت. الأجدى هو البقاء في حالة "جهوزيّة"، مع السماح ببعض التمرينات القتالية الجانبية التي يمكن أن يخفّف من وقعها لاحقاً الجنرال كلاوديو غراتسيانو، وتجري المحافظة على وضعية "اللاحرب واللاسلم" بوصفها الوضعية المثلى لثقافة الممانعة.
وأمام خطورة المشهد السياسيّ الذي رست عليه الانتخابات الإسرائيلية، لا يجد معسكر الممانعة جديداً يعلّق عليه، خلا حديثه المعلوك عن تخلّع المجتمع الإسرائيليّ وانهياره تحت ضربات المقاومة.. علماً أنّ هدف المقاومات عبر التاريخ الحديث كان حثّ المجتمعات في الحواضر الاستعمارية على إبعاد المتطرّفين عن مواقع القرار وليس حثّ المتطرّفين على المزيد من التطرّف أو دفع المجتمعات الاستعمارية إلى المزيد من الدعم للمتطرّفين.
فمعسكر الممانعة، أي معسكر المصادرة الإيرانية للصراع العربيّ ـ الإسرائيليّ، لا يطرح على نفسه أبداً السؤال عن دلالات فوز التيارات المتشدّدة والشعبوية في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، كما لا يطرح السؤال عن الأجندة الإقليمية لهذه التيارات. فالعدو وفقاً لتشخيص الممانعين، يدمن القتل، وتحديداً قتل الأطفال، لكنه لا يحب خوض الحروب، وتحديداً مع "حماس" و"حزب الله" وإيران. بالتالي تزكي الممانعة التصوّر نفسه لمواجهة إسرائيل في المرحلة المقبلة: صواريخ من هناك وهناك، بعض ردود، تهدئة موضعية، ثم صواريخ، ثم ردود بسيطة، ثم تهدئة، وهكذا دواليك، إلى أن يتزعزع بنيان الدولة العبرية. ففي تصور الممانعين هلاك إسرائيل حتميّ، ولن يتأمن هلاكها بفعل هزيمة كلاسيكية، وإنّما من فرط العياء جراء تكرار اللعبة إياها مرّات ومرّات من دون جدوى.
بيد أنّ الوضع في الشرق الأوسط الآن لا يحتمل هذه التهويمات. فاسرائيل تستعد في الأربعين يوماً القادمة للوصول إلى تسوية بين تصوّر بنيامين نتنياهو لحكومة "مستقرّة" وبين تصوّر تسيبي ليفني لحكومة تمتلك "رؤية سياسية"، وما زالت حكومة الوحدة الوطنية هدفاً سينهي رئيس الدولة شمعون بيريز حياته السياسية بالتفاخر بأنّه توصّل إليه.
بتكليف نتنياهو رسمياً، تراجعت حظوظ حكومة مبنية على الثلاثي "الليكود" "كاديما" "العمل"، وهي الحكومة التي طالبت بها عريضة موقعة من مثقفين يهود أميركيين على أمل اقصاء حزب أفيغدور ليبرمان الشعبويّ المتطرّف "اسرائيل بيتنا". لكن ذلك لن يعني أن حكومة تضم "الليكود" و"اسرائيل بيتنا" و"كاديما" و"العمل" لن تكون ممكنة، وإذا ما تشكّلت بالفعل لا ينبغي عزو السبب إلى طبيعة النظام السياسيّ الإسرائيليّ فقط، وإنّما إلى مشهد سيكون أكثر تعقيداً وأكثر توتراً في الشرق الأوسط، فحتى الآن ليس يمكن لأحد الإدعاء بأن الأمور بين أميركا وإسرائيل من جهة وبين إيران لن تنتهي إلى الحرب، وانتصار معسكر التطرّف في إسرائيل لا يعني أبداً، إذا ما أردنا التفلّت قليلاً من عوائد التذاكي السوفسطائي، أن الأمور متجهة نحو التعايش بين تطرّفين. صحيح أن الصراع الإيراني الإسرائيلي مبني على منطق "تماثل الضدين" لكن نهاية هذا المنطق ليست أبداً التعايش بين طرفيه.
لا شكّ أن وصول نتنياهو إلى السلطة في إسرائيل، مباشرة بعد وصول أوباما إلى الرئاسة في أميركا، لن يساهم في انقشاع الضباب عن المستقبل القريب.. لكن حتماً الأمور ليست متجهة إلى أي نوع من أنواع التسوية بين أميركا والغرب عموماً وبين ايران، أما حظوظ الحرب فهي دائماً، كما عشية كل حرب منذ فجر التاريخ، قليلة نسبياً قبل نشوب الحرب، ومطلقة تماماً عندما تندلع. لا داعي للتذاكي إذن: فكرة أن الرّعب يردع الرّعب لا تصمد طويلاً أمام حركة التاريخ.