8 مسائل إجرائية ترتبط بانطلاق المحكمة"
ما المتوقع من الأول من آذار 2009؟
الهمّ الأول في المحكمة الخاصة بلبنان يتمثل في إقناع اللبنانيين بأن هناك فرقاً شاسعاً بين بدء أعمال المحكمة وبين بدء المحاكمة.
المحكمة هي أوسع من المحاكمة ولو كانت الغاية من إنشائها هي إجراء المحاكمات وتحديد العقوبات وتجريم هذا وتبرئة ذاك.
المحكمة هي أجهزة ستبدأ عملها، تباعاً، في الأول من آذار 2009.
هي جهاز النيابة العامة الذي سيبدأ إجراءاته التمهيدية لوضع اليد على التحقيق بشكل مستقل تماما عن الحكومة اللبنانية التي كانت من خلال القضاء اللبناني صاحبة الصلاحية الوحيدة في كل ما يتعلق بملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما يتصل بملفه من جرائم اغتيال.
هي جهاز قاضي ما قبل المحاكمة أو قاضي الإجراءات التمهيدية الذي سيكون المشرف على كل ما تقدم عليه النيابة العامة التابعة للمحكمة وتطلبه.
وهي الجهاز الإداري الذي سيترأسه قاض سيتم انتخابه عندما يلتئم شمل القضاة المعينين في المحكمة وهم 12 قاضياً بينهم قاضي الإجراءات التمهيدية وقضاة المحكمة البدائية والمحكمة الإستئنافية والقضاة الرديفون وعددهم ثلاثة. ومن بين هؤلاء جميعا أربعة قضاة لبنانيين: قاض في محكمة البداية وقاضيان في محكمة الإسنئناف وقاض رديف في محكمة الإستئناف.
ولا يدخل ضمن هؤلاء القضاة قضاة النيابة العامة، اذ ان منصب نائب المدعي العام معقود إلى قاض لبناني (أو قاضية )على اعتبار أن جهاز النيابة العامة جهاز مستقل تماماً عن الجهاز القضائي، الذي سيشرف على عمله، سواء في مرحلة المطالب من خلال قاضي الإجراءات التمهيدية أم في مرحلة المحاكمة من خلال البت بمطالبه في المحكمتين البدائية أولاً فالإستئنافية تالياً.
وبغض النظر عن توصل التحقيق الدولي إلى حقيقة من وراء اغتيال الرئيس رفيق الحريري وسائر شهداء جريمة الرابع عشر من شباط (فبراير) 2005، فإن الإجراءات الممهدة لانطلاق المحاكمة هي بطبيعتها إجراءات تتخذ وقتاً طويلاً يستهلك تلك الشهور التي تفصل لبنان عن الإنتخابات النيابية المقرر اجراؤها في السابع من حزيران (يونيو) المقبل.
وفي هذا السياق لا بد من الإهتمام بما يتم تأكيده هنا في عاصمة المحاكم الدولية.
يجزمون بالآتي:
أولاً، إن انتقال الملف من عهدة القضاء اللبناني إلى عهدة النيابة العام التابعة للمحكمة الخاصة بلبنان يستغرق وقتاً لأسباب تقنية. فدانيال بلمار عليه تقديم مطالعة إلى قاضي ما قبل المحاكمة يشرح فيه الوقائع التي تتيح نقل الملف إلى عهدته، وعلى قاضي المحاكمة أن يبت بالطلب ويرسله إلى السلطات اللبنانية المختصة.
ثانياً، إن السلطات اللبنانية لها الحق بوقت محدد لتجهيز الملف وموقوفيه قبل الإستجابة الملزمة للطلب.
ثالثاً، بعد تسلم بلمار الملف عليه مراجعته وتقديم خلاصة يطلب فيها من قاضي ما قبل المحاكمة السماح باحتجاز الموقوفين لمدة محددة لدواعي التحقيق واستدعاء آخرين، بمن فيهم الشهود الذين يحتاج إليهم في لاهاي أو في مكتب المحكمة في بيروت. ولقاضي ما قبل المحاكمة اتخاذ القرار الذي يراه قانونياً.
رابعاً، إن اضطرار بلمار إلى مراعاة الإجراءات الشكلية، بغض النظر عن الإجراءات الجوهرية، يجعله في سباق مرير مع الزمن لأن كل خطوة تستهلك وقتاً طويلاً نسبياً.
خامساً، عند وضوح الرؤية لدى بلمار يرفع لائحة اتهام إلى قاضي ما قبل المحاكمة الذي يراجعها ليوافق عليها كلياً أو جزئياً.
سادساً ،بعد جهوز الملف للمحاكمة، هناك وقت كاف من الواجب توفيره لمحامي الدفاع الذين، مهما ادعوا المعرفة بالملف، فانهم في واقع الحال يجهلون الكثير من مفاصله، فلائحة الشهود مجهولة من قبلهم ولائحة المصادر الحساسة كذلك وقائمة الأدلة الإتهامية .
سابعاً، إن من واجب المحكمة إعطاء المتهمين غيابياً فترة مريحة من الوقت لتسليم أنفسهم أو لتحضير دفاع غيابي عنهم.
ثامناً، إن الشهود، وبعد توفير الظروف الملائمة لتحديد وقت المحاكمة، بحاجة إلى وقت ليكونوا جاهزين للإنتقال إلى لاهاي في الوقت المحدد أو لتقديم شهادتهم عبر تكنولوجيا الإتصالات من حيث يكون مقرهم.
ولهذا السبب، يستحيل ان يكون الأول من آذار يوم قرار بل هو بالتأكيد يوم توكيد القرار بأن لبنان لم يعد ساحة حرة للإجرام بل أصبح بلداً يعاقب فيه المجرم، مهما ارتقى منصبه، ومهما تحصن بأنظمة حديدية تكتسب وجودها من قدرتها على تصفية من تدرجهم في خانة العداوة أو الخصومة.
غداً: قاعة المحاكمة وشروط العلنية.