الاقتصاد الأميركي في عهدة أوباما – بقلم مروان اسكندر
انتخب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة في مناخ يعتبر كأنه ثورة على نفسية المحافظين الجدد الذين تحكّموا بالسلطة، وقرارات الحرب والسلم، وسهولة التمويل، وتحرير المضاربات مدى ثماني سنوات.
انتخب أوباما رئيساً لانه عقلاني الخطاب، منضبط الاعصاب، ومتعاطف مع حاجات المواطنين العاديين، وخصوصا على صعيد التعليم والعناية الصحية. ولا شك في ان سطحية خطاب جون ماكين وعدائيته، ومقدار جهل سارة بايلين، مرشحته لنيابة الرئاسة، بشؤون العالم، ساعدا باراك أوباما على الفوز.
لقد اعلن الرئيس المنتخب بوضوح ان القضية الاساسية التي سيحاول معالجتها بكل ما أوتي من صلاحيات هي تحريك الاقتصاد الاميركي، من أجل زيادة فرص العمل خلال سنتين، بثلاثة ملايين فرصة عمل، يتركز القسم الاعظم منها في نشاطات برامج انتاج الطاقة البديلة، وتوسيع خدمات الرعاية الصحية وتطويرها، وتحسين مستويات التعليم ومدارك التلامذة كي يكون الاميركيون قادرين على منافسة مواطني جميع الدول في مجالات المعارف. وقد وافق الكونغرس بشقيه على خطة تبلغ مخصصاتها 788 مليار دولار، يتعلق جزء ملحوظ منها باعفاءات ضريبية لذوي المداخيل البسيطة والمتوسطة.
كل هذه الاهداف تخدم الاقتصاد الاميركي في المدى الطويل، وتعزز القدرات التنافسية للولايات المتحدة.
والسؤال الجوهري هو، هل يستطيع أوباما تخطي التركة الثقيلة التي خلفها حكم المحافظين الجدد؟
سنعدد في ما يلي اهم التحديات المطروحة بسبب ارث حكم جورج بوش ومناهج معالجة الازمة المالية العالمية التي تحولت ازمة انكماش اقتصادي ينذر بالانزلاق الى هاوية الكساد لا سمح الله.
– ارتفاع معدل البطالة خلال ستة اشهر، من حزيران 2008 حتى نهاية السنة، من نسبة 4،4 في المئة من مجموع الايدي العاملة الى نسبة 7،2 في المئة، ومن المرجح ان ترتفع هذه النسبة الى 10 في المئة قبل نهاية 2009. والمعضلة الرئيسية هي مشكلة البطالة وتحفيز الانفاق والاستثمار.
– تبخر الهالة المعنوية القيادية التي كانت تتمتع بها الولايات المتحدة، وخصوصا في عالم سقط فيه تحدي النظام الشيوعي أو الاشتراكي المركزي. وهذه النتيجة ارتبطت بالحرب على العراق والادعاءات الكاذبة في امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، الحجة التي استدعت شن الحرب عليه. وكان قد سبق ذلك رد الفعل على هجمات 11 ايلول 2001 التي جيشت القوى الغربية وأخصها الاميركية لمحاربة الارهاب الذي صور الاميركيون ان احتلال العراق هو خطوة أساسية في محاربته. لكن الحقيقة هي ان قرار الحرب على العراق اتخذ في الجلسة الأولى التي عقدها مجلس الامن القومي الاميركي بعد انتخاب بوش، وكان ذلك في 31 كانون الثاني 2001، أي قبل التفجيرات الاجرامية في نيويورك وواشنطن بتسعة أشهر. وكان نائب الرئيس ديك تشيني قد أشرف على وضع خطة الحرب بمساعدة بول ولفويتز الذي تولى في ما بعد رئاسة البنك الدولي فترة وجيزة انتهت بفضح علاقته بإحدى خبيرات المصرف.
– انفجار الازمة المالية الدولية التي بدأت صيف 2007 مع افلاس مصرف Northern Rock في بريطانيا، اذ اظهر عجزاً بلغ 52 مليار استرليني– وكانت توازي في حينه 104 مليارات دولار – ومن ثم تبع ذلك افلاس مصرف آخر بلغت التزاماته 25 مليار استرليني أو 50 مليار دولار. وقد اضطرت الحكومة البريطانية برئاسة غوردون براون، المعروف بقناعاته الاشتراكية، الى تأميم المصرفين اللذين ارتبطت خسارتهما بسندات التسليف العقاري في الولايات المتحدة.
– في 15 ايلول 2008 انفجرت السوق الاميركية مع افلاس ثالث أكبر مصرف للاستثمار Lehman Brothers الذي تبين ان ضماناته للقروض العقارية بلغت 1100 مليار دولار، سنداتها موزعة على عدد كبير من المصارف الدولية واخصها المصارف السويسرية التي حمل اثنان منها سندات بقيمة 250 مليار دولار اصبحت معدومة القيمة.
وكشف افلاس "ليمان براذرز" تورط اكبر شركة للتأمين في العالم، هي AIG التي حملت سندات مضمونة بقيمة 400 مليار دولار وخسرت مجمل رأس مالها وكان عجزها على مستوى 170 مليار دولار.
ومن ثم بانت الطامة الكبرى في عجز أكبر شركتين لضمان القروض المنزلية وهما Fannie May وFreddy Mac، وللشركتين طابع عام، وقد وازى ضمانهما للقروض المنزلية 6500 مليار دولار، أي ما يساوي نصف مجمل الدخل القومي الاميركي.
حيال هذا الواقع المخيف، تحركت ادارة بوش لتخصيص مبالغ ضخمة في برنامج انقاذي بلغت قيمته 700 مليار دولار. والى حين انتخاب باراك أوباما كان هذا البرنامج قد استنفد 350 مليار دولار، اضافة الى التزامات كبيرة وغير محددة اخذتها الحكومة على عاتقها.
وصارت الحكومة الاميركية شريكاً اساسياً في القطاع الخاص الاميركي نتيجة المساعدات التي خصص، منها مبلغ 150 مليار دولار منها لشركة AIG في مقابل تملك 80 في المئة من أسهمها، و50 مليار دولار لتملك اسهم في City Group وBank of America وبنكWells Fargo وبنك Wachovia، كما تملكت اسهم الشركتين الضامنتين للقروض السكنية كاملة، وقد بلغت خسائر هاتين الشركتين في الفصل الثالث من السنة المنصرمة 52 مليار دولار.
اضافة الى المشاركة في ملكية الاسهم، وضمان قروض "فاني ماي" و"فردي ماك"، وفرت الحكومة قروضا لا تقل عن 50 مليار دولار لشركات الطيران، وشركات تصنيع السيارات وشركات صناعة الطائرات. وبعد كل ذلك ظهرت ازمة شركة مادوف للاستثمار التي فاقت خسائرها 52 مليار دولار وأصابت مصارف اوروبية ويابانية وصناديق استثمار صهيونية وشركات استثمارية يملكها أطراف عرب.
لقد فرضت الازمة المالية الدولية، التي تحولت ازمة انكماش عالمي تهدد بالانزلاق نحو الكساد، على الدول الصناعية الرئيسية وعلى سويسرا تبني برامج لدعم المؤسسات المالية منها والتصنيعية ذات الاهمية للعمالة بلغت حسب التقديرات المتوافرة:
700 مليار دولار في بريطانيا التي كانت المبادرة الى اقرار برنامج انقاذي.
600 مليار أورو في المانيا.
400 مليار أورو في فرنسا.
600 مليار دولار في الصين.
220 مليار دولار في روسيا.
100 مليار دولار في اسبانيا.
100 مليار دولار في سويسرا.
200 مليار أورو من المصرف المركزي الاوروبي.
وتضاف الى هذه المبالغ الضخمة مبالغ أقل أقرها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لمساعدة بلدان انضمت حديثا الى مجموعة بلدان الاقتصاد الحر مثل أوكرانيا والمجر، الخ.
– اعتبرت الدول التي اصابتها اضرار انهيار نظام النقد الدولي ان ما كان يسمى "توافق واشنطن" Washington Consensus قد انهار، وهذا التوافق وتعليق نظام ربط الدولار بالذهب سمحا للولايات المتحدة التحكم بالسياسات الاقتصادية الدولية وبنظام النقد الدولي عبر حق الفيتو على القرارات الرئيسية في صندوق النقد الدولي الذي تتمتع به الولايات المتحدة، وسيطرة الخزانة الاميركية شبه الكلية على قرارات البنك الدولي لان رئيسه هو دوماً اميركي، اوعبر موقع اميركا الطاغي في منظمة التجارة العالمية الذي اخضع هذه المنظمة للمشيئة الاميركية.
ومجموعة الدول العشرين التي شملت، اضافة الى الدول الثماني الكبر، دولاً كالصين والهند والبرازيل واسبانيا وتركيا والسعودية والأرجنتين وماليزيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية، اعلنت في اجتماع واشنطن 15 تشرين الاول 2008 وجوب تعديل نظام النقد الدولي ومركزية الدولار في النظام. وقد أقر بوش على مضض بهذه الضرورة وحدد موعداً لصوغ التعديلات في نيسان 2009، وتاليا ترك الامر لادارة أوباما.
نتيجة كل هذه التطورات المالية والوقائية، باتت الولايات المتحدة اقرب الى السياسات الاوروبية. وبعد اجتماع واشنطن أصبحت مسؤولية التخطيط المستقبلي مشتركة. ومن أهم نقاط الالتقاء الاقتناع بان سبيل الخلاص هو الانفتاح المنظم، والابتعاد عن غوغائية الاسواق غير الخاضعة للتنظيم او الرقابة، او المؤسسات المتفلتة من الرقابة عبر قوانين كتلك التي تنظم الحسابات الائتمانية من سويسرا والتي تبلغ 1800 مليار دولار ولا تخضع لأي رقابة سوى ادعاء حسن الادارة من مصرفين خسرا 200 مليار أورو من حساباتهما وربما 500 مليار من حسابات الزبائن.
ان فريق أوباما من الاقتصاديين والمستشارين هو اكثر تميزاً من فريق بوش، وقد اختار أوباما وزير المال تيموثي غايتز، الذي تولى، بصفته السابقة نائباً لرئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي في نيويورك، مسؤولية كبيرة في وضع البرنامج الانقاذي، وكان يعتبر الخطوات المتخذة غير كافية. كما ان اختيار كريستينا رومر لرئاسة مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس أوباما اتخذ لانها ضليعة في شؤون التجارة والتنافس الدولي وسياسات منظمة التجارة العالمية.
ومن أهم الذين اختارهم أوباما، لاري سامرز الذي يعتبر اقتصادياً متميزاً سيتولى رئاسة مجلس الامن القومي الاقتصادي، وكان سابقا نائبا لرئيس مجلس الاقتصاديين ومن ثم رئيسا له ووزيراً للمال فترة قصيرة في عهد كلينتون الثاني. وهو من الاقتصاديين القلائل الذي نبه الى الانهيار المقبل، وكل ما يشكو منه لاري سامرز مقدار من الصلف أفقده رئاسة جامعة هارفرد بعد توليه وزارة الخزانة سابقا. وجدير بالذكر ان الرئيس كلينتون اعتبر انشاء مجلس الامن القومي الاقتصادي أكبر انجاز في تنظيم ادارة البيت الابيض، وفي حينه كان ليون بانيتا رئيس ادارة البيت الابيض وقد اختاره أوباما لرئاسة وكالة الاستخبارات المركزية.
يريد الرئيس أوباما خفض اعتماد الولايات المتحدة على مستوردات النفط التي تبلغ نسبة 60 في المئة من مجموع الاستهلاك، ويعتبر ان الاعتماد على استيراد نفط الشرق الاوسط ونفط فنزويلا عنصر يناهض الاستقرار. فما هي حظوظ نجاحه في هذا المجال؟
نقطة البداية في أي برنامج لعقلنة استهلاك الطاقة تبدأ بخفض الطلب المحلي على النفط. هذه النتيجة ستتحقق بفضل التحول عن اقتناء سيارات الدفع الرباعي الثقيلة، والاقتصاد في الطاقة للتدفئة والانارة، وكلها أمور ممكنة على نطاق مقبول. ومن المفيد التذكير بأن برامج الرئيس جيمي كارتر في الاتجاه ذاته انتجت انخفاضا في الاستهلاك بين 1978 و 1982 وازى نسبة 20 في المئة.
أما مصادر الطاقة البديلة النظيفة مثل توليد الكهرباء من الرياح والامواج، ومن اختزان الطاقة الشمسية، فلا يتوقع ان تؤدي الى نتائج تفوق تحسين هذه الامدادات بما يوازي خمسة في المئة من استهلاك الطاقة كليا بعد 10 سنين.
الامل اذن يتركز على مصادر طاقة بديلة غير نظيفة، منها الفحم الحجري، المفاعلات النووية، والغاز من صخور الطفال. كل هذه الخيارات مناسبة للولايات المتحدة لانها الاغنى بموارد الفحم والغاز في صخور الطفال مما يسمح بكفاية الحاجة مدة 40 سنة، لكن تكاليف الغاز بعد طحن الصخور ومعالجة جبالها بيئيا توازي 70 دولارًا للطاقة الموازية لبرميل من النفط، والتحول بقوة الى هذا المورد يستوجب ان يكون سعر النفط مرتفعاً وان تنقضي سنوات. أما المفاعلات النووية، فينشأ عنها وقود في حاجة الى معالجة من أجل صحة المواطنين، كما ان انجاز هذه المفاعلات على مستوى يؤدي الى انخفاض مستوردات النفط بقوة، يحتاج الى سنوات.
الخلاصة، ان المصادر البديلة من الفحم والغاز والطاقة النووية يرافقها تدهور في المعطيات البيئية، كما ان اعتماد هذه المصادر لن يكون اقتصادياً ما لم يتخط سعر النفط مستوى الـ 70 دولاراً البرميل. وما دامت اسعار النفط دون ذلك المستوى، فليس منتظراً ان تحقق سياسات أوباما النتائج المرجوة، وان يكن الاستهلاك سيتدنى بنسبة ملحوظة.
وأخيراً، إن موضوع اتفاق التجارة الحرة Free Trade Association مع دول الخليج العربي سيوضع على الرف لسببين:
أولاً، اعادة رسم نظام النقد الدولي ودور العملات الرئيسية في تمويل التجارة ومعالجة الازمات الطارئة، أمر سيتقدم في الاعتبارات الدولية كل جميع الامور الاخرى.
ثانياً، اتفاق التجارة الحرة مع دول الخليج العربي ومن صلبه موضوع النفط وصادراته وصادرات مشتقاته الى الولايات المتحدة، ومنهجية أوباما حتى تاريخه تفحص تفاصيل سياسة للطاقة تقضي بخفض الاستيراد، واذا كان في الإمكان الاستغناء عنه.
لذا فان، ادارة أوباما لن تقدم على توقيع اتفاقات تجارة حرة مع دول الخليج العربي قبل صياغتها خطة قومية لاستهلاك الطاقة واستيرادها، وهذا الامر سيحتاج الى سنتين على الاقل.