حرب إلغاء القيادات المسيحية مستمرة وبطلها يحضّر لمزيد من التوتر والتصعيد
شهادة حق، وللتاريخ أتلوها أمام الرأي العام اللبناني والمسيحي بشكل عام، وهي أننا أمضينا عشرين سنة ونيف نستنهض المسيحيين ضد القوات اللبنانية، والأحزاب المسيحية، ولم أكن على بيّنة من خفايا وأسرار المخطط الذي كانت وراءه خيوط لبنانية بتوجيه سوري لضرب المقاومة المسيحية في لبنان، هذه المقاومة التي كانت مستعصية على السوريين، مما دفع هؤلاء الى توجيه الأوامر الى ميليشيا تابعة لهم لكي تضغط على زر تلك المتفجرة التي أودت بحياة الرئيس بشير الجميل، وهذا ليس بجديد على هذا الحزب غير اللبناني بهويته، وغير اللبناني بانتمائه، وغير اللبناني بولائه.. وبالأمس وقبله ومنذ سنوات، أعلنت حرب أسماها بطلها حرب توحيد البندقية على إعتبار لا بندقية تعلو سلاح الشرعية المتمثل بالجيش اللبناني، ووقفنا ضد القوات على إعتبار أنها ميليشيا، وأن لا سلاح خارج إطار المؤسسة العسكرية، ومن ثم راح مخادع العصر الحديث يحاضر بفلسفة إرهاب منظمة "حزب الله" وبأن سلاح هذه المنظمة الإرهابية يعوق السلام اللبناني، وبأن مزارع شبعا كذبة، ووصف إيران بالتشدد وسوريا براعية الإرهاب… والى ما هنالك من أوصاف ذكرناكم بها مراراً وتكراراً.
أما بعد.. وقد حفر الطرقات ذهاباً وإياباً بحثاً عن مقابر جماعية، ولا ننسى نائبه.. نائب الصدفة والغفلة من بلاد جبيل كيف انه زمجر وكشر واحدودبت عيناه غيظاً لعدم وجود ولو جيفة كلب متهرئة ليستكملوا مشوار حرب الإلغاء، وأكملوا طريقتهم الإلغائية بحملات استنهاضية ـ دعائية ـ إعلامية ـ إعلانية.
على الطرق وفي كل مناطق لبنان، لوحات دعائية ـ إعلانية لحلقة تلفزيونية على محطة الليمونة عنوانها صورة لطفلة كتبت تحتها عبارة مجزرة إهدن.. وإذ بالجهة التي كان من المفترض أن يكون حزبها المسؤول المباشر عن تلك الحادثة يظهر في الحلقة مبرئين ساحته، لتطلق سهام الاتهام باتجاه "القوات اللبنانية" بشخص سمير جعجع الذي كان عنصراً كتائبياً وإن بمسؤولية ميدانية..عسكرية. السؤال طرحناه فوراً، ما القصة بالتحديد؟ وما المقصود من هذا الاستنهاض السيكولوجي للمسيحيين؟ بعد فترة وفد مردي ـ فرنجي بامتياز يشارك في مهرجان الكتائب، والمصالحة بين "القوات" و"المردة" تترجم وتتوج بشهيدين في بصرما.. نعم شهيدين بامتياز سقطا في المكان الخطأ.
لنعود ونسأل من كان المحرض؟ ومن يقف وراء هذا الجو المحتقن مسيحياً؟ الجواب: هو هو، الشخص نفسه الممتلئ عقداً سلطوية.. نفس الشخص الذي وجه دباباته الى الشرقية لاغتيال المسيحيين أجمعين.. نفس الشخص الذي أرسل جماهيره الى بكركي للاعتداء على غبطة البطريرك الماروني.. نفس الشخص الذي أحرق دواليب وأقفل الطرق ومنع الناس بقوة سلاح "حزب الله" الذي اعتدى مناصروه على الاشرفية لمجرد فقشة تلفزيونية. واليوم يستكمل بطل الإلغاء إلغاءاته.. يستفز الناس، يضع صورته البهية على الطرق عبر يافطات وإعلانات بلغت كلفتها ما يقارب النصف مليون دولار.. وهو يعلم.. يعلم علم اليقين أنه بهمروجته تلك انما يستفز الناس.. يستفز مبغضيه وما أكثرهم.. ولم يتورع عن الاعتداء على الموتى والشهداء.. عيّر الموتى وحملهم مسؤولية نحرهم بالسكاكين من قبل حلفائه.. إنه الإلغائي بامتياز الذي هوى ويهوى الرقص على القبور.. إنه شريك موزعي البقلاوة فرحاً وابتهاجاً عشية استشهاد جبران تويني.. ويستمر بحروبه الإلغائية حتى آخر مسيحي في لبنان. فمن غير المنطقي أن يكون هذا الرجل الذي من المفترض أن يكون مسيحياً وصلت به الأمور الى حد إلغاء مرجعية البطريركية المارونية في بكركي وفي مسعى دؤوب لنقل الكنيسة الام الى الأراضي السورية. وهنا لمن فاته أو خانته ذاكرته، فتلفزيون الليمونة نقل قداس مارمارون من سوريا وصاحب التيار الليموني قاطع الذكرى في لبنان تماشياً وانسجاماً مع رفيقه اميل لحود. ليكونا بطلي 13 تشرين إذاً.. الرجل يسعى لمزيد من من إذكاء سياسة التدمير المسيحي، ولإنجاح هذا المسعى يجب ضرب أهم المرجعيات فكان التصويب على بكركي كمرجعية وطنية وسياسية ودينية وروحية ووطنية وتاريخية، ومن ثم يستكمل ما بدأه مع "القوات اللبنانية" المرجعية السياسية المسيحية الأوسع والأكثر انتشاراً وشعبية. وهذا يتوافق مع المخطط السوري الذي يهدف منذ سنوات الى إخضاع المسيحيين وترويضهم.
ولم يُفلح مع بكركي التي حاول استدراجها لتحط رحالها في بلاد الشام والبوادي السورية، ولكن خذلهم سيد الصرح وكان قائداً فذاً صلباً في المطالبة بإخراج جيش الاحتلال.. وهكذا بدأت الحملة عليه وها هو العقيد الذي عينه حافظ الأسد قائداً للجيش اللبناني يستكمل مساعي الإلغاء والإخضاع، بدأ مع "القوات اللبنانية" منذ سنوات، واليوم يضفي لمساته على ما تتعرض له القوات، في وقت يتقدم سمير جعجع يوماً بعد يوم باتجاه تكريس نفسه رجل دولة سلّم بالمؤسسات كخيار تكتيكي وإستراتيجي عممه واستطاع على رفاقه وفي وقت مد جعجع بساط الصلح وأيادي السلام في أكثر من مناسبة حرصاً على وحدة المسيحيين. إلا أن الواضح أن من شب على حرب إلغائية وما تعود نهجاً سواها شاب عليها، وليست صدفة معاداته لكل الأحزاب المسيحية، والبيوتات السياسية حيث يستعدي بيت كميل شمعون وبيت بيار الجميل، واليوم انتقل الى خط استعداء ميشال المر، ولا ننسى مخاصمته لرئاسة الجمهورية، وهو لا يوفر أحداً من قاموسه المعنون بشكل أساسي من الزنار ونزولاً.
وفي آخر الميدانيات العونية، فإن الرجل يتحضر لمرحلة القلاقل، ولمرحلة الفتن المتنقلة، وهو من الواضح يستعد لمزيد من قهر المسيحيين وتسجيل المزيد من تراجع دورهم الريادي.. اليوم فتح بازاره الانتخابي في الرابية، تماماً كما فعل عشية انتخابات 2005 حيث رست البيوعات على مستنوبين غرباء عن تاريخنا النضالي، فكانت القرعة لمن يزايد، وهكذا سحب مرشحيه الذين تكبدوا عناء ودفع رسم التأمين الانتخابي واستبدلهم بطاقمه الحالي حيث وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن دور معظمهم لم يتجاوز وطوال فترة الأربع سنوات تناوباً لدورين أساسيين محوريين لا ثالث آخر لهما، فمحور اقتصر دوره على حضور الاجتماعات الدورية ولعب دور الايماء بالرأس كحركة موافقة ومبايعة، والمحور الآخر يتبارى على شاشات التلفزة دفاعاً عن الرجل وأفراد عائلته.
بالأمس تمزيق وحرق ملصقات للقوات اللبنانية، ومن ثم رمي قنابل واعتداءات على مراكزها، وهذه السلسلة لن تقف عند هذا الحد كلما اقتربنا من الاستحقاق الانتخابي، وقد استشعر الرجل ومن جديد بخطورة "القوات" وحجمها بعد قداس الشهداء الأخير في ساحة جونية، وقد سبق ذلك وعشية الاحتفال باعتداء كلامي مشين بحق صاحبه على الشهداء، وكان ان اطل أحد اقربائه قبله على شاشة تلفزيون الحزب الإلهي وأهان الشهداء في قبورهم. الأيام القادمة ستكون صعبة وستشهد المزيد من التوتر، ولكن يبقى على المسيحيين هذه المرة لعب دور الحفاظ على وجودهم الحر، حتى لا تتكرر تجربة قضمهم وترويضهم، وهكذا نرد عنا الهجمة السورية المتمثلة هذه المرة علناً وبشكل واضح بشخص رجل سوريا الأول في لبنان.