#adsense

لماذا هذه الانتخابات مهمة للغاية؟

حجم الخط

لماذا هذه الانتخابات مهمة للغاية؟ 

ليست هي المرة التي تجري فيها انتخابات نيابية في لبنان. وليست الانتخابات النيابية شيئاً جديداً على الحياة السياسية فيه. فالانتخابات النيابية والديموقراطية والحرية السياسية هي من خصائص دولة لبنان منذ وضع دستوره في العام 1926. وقد اعتاد اللبنانيون على إجرائها كل أربع سنوات. وكانت كل دورة انتخابية تنال حصتها من الاهتمام الشعبي والرسمي، ولا سيما تلك التي تؤدي الى انتخاب رئيس للجمهورية. ولعل أقوى وأبرز هذه الدورات الانتخابية تلك التي جرت في العام 1968 وأدت الى انتخاب الرئيس الراحل سليمان فرنجية بفارق صوت واحد على خصمه الرئيس الراحل الياس سركيس (50 ـ 49) من أصل مجموع عدد النواب البالغ 99 نائباً.

ولكن هذه الانتخابات النيابية المقرر إجراؤها في 7 حزيران من هذا العام وفقاً لما حدده وزير الداخلية والبلديات، وبالرغم من أنها انتخابات نيابية عادية لن ينتج عنها انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال السنوات الأربع المقبلة، ومع ذلك فإنها تحظى بأهمية بالغة تفوق جميع الانتخابات النيابية السابقة على الإطلاق. لماذا؟

فيما مضى، كان المجلس النيابي يتألف من مجموعة من الكتل النيابية الصغيرة المناطقية، بحيث يتراوح عدد النواب في كل كتلة من ثلاثة الى عشرة نواب، بالإضافة الى عدد من النواب المستقلين. فكان منهم على سبيل المثال لا الحصر: كتلة صائب سلام في بيروت، كتلة رشيد كرامي في طرابلس، كتلة سليمان العلي في عكار، كتلة كامل الأسعد في الجنوب، كتلة كمال جنبلاط في الشوف، كتلة الأمير مجيد ارسلان في عاليه، كتلة العميد ريمون اده في جبيل، كتلة سليمان فرنجية في زغرتا، كتلة نواب الكتائب، كتلة الرئيس كميل شمعون، كتلة جوزف السكاف في زحلة، كتلة صبري حمادة في بعلبك ـ الهرمل، كتلة نواب الأرمن، بالإضافة الى عدد من النواب المستقلين الذين يفوزون في دوائر انتخابية متفرقة من لبنان.

ولم تكن هذه الكتل تشارك جميعها في تأليف الحكومات، ولم تكن الحكومات في لبنان جميعها حكومات وفاقية أو حكومات اتحاد وطني، بل كان البعض من هذه الكتل يشارك في تأليف الحكومة فيما تبقى كتل أخرى لا تقل تمثيلاً أو نفوذاً خارج الحكومة في المعارضة. ويبقى (البلد ماشي والشغل ماشي وكل شيء ماشي على أحسن ما يرام).

أما اللبنانيون فكانوا ينتخبون نوابهم وفقاً لمعايير خاصة تتراوح بين محبة الناخب لرئيس الكتلة لأنه بيك أو زعيم أو ابن عائلة، أو مقابل خدمة حصل عليها من هذا النائب أو ذاك مثل تعيين أحد أولاده في وظيفة عامة أو خاصة أو نقل موظف أو جندي من مركز عمله الى مركز آخر أو إعفاء من محضر ضبط بخمس ليرات أو نكاية بأحد الجيران أو لأن المختار أو رئيس البلدية أو كبير العائلة يؤيد هذا المرشح أو ذاك أو غيرها من الدوافع البسيطة المتواضعة.

ولكن مهما كانت نتيجة هذا الانتخاب فإن لا شيء يتغير في السياسة العامة للدولة أو الحكومة. فالجميع تحت مظلة واحدة والجميع يتحركون ضمن حدود الدائرة السياسية العامة في البلاد. السياسة الخارجية هي ذاتها مهما كان شكل الحكومة، وأياً يكن رئيس الحكومة. والأوضاع الاقتصادية والمعيشية والأمنية والإدارية في لبنان لا تتأثر بعدد نواب الكتل النيابية ولا بنتيجة فرز الأصوات. التغيير الذي يحدث هو تغيير في الوجوه والأسماء والخدمات للمناصرين والمؤيدين.

أما اليوم، فإن المجلس النيابي الحالي، وكذلك الذي سينبثق عن الانتخابات النيابية المقبلة ينقسم الى فريقين متخاصمين ومتناقضين، يقف كل واحد منهما في مواجهة الآخر، ويسير كل واحد منهما باتجاه معاكس للآخر، وكل فريق يضم في أحشائه عدداً من الكتل والأحزاب السياسية الذين يشتركون معه في العقيدة والرؤية والبرنامج السياسي والأهداف. ويفصل بينهما هوة سحيقة عريضة لا جسر يربط بينهما يمكن العبور عليه من جهة الى أخرى ولا تعايش أو مساكنة بينهما.

الأول يسعى الى جعل لبنان والحكم فيه على غرار قطاع غزة في فلسطين وسيطرة حركة "حماس" هناك. مع ما يستتبع ذلك من نتائج وانعكاسات على الأوضاع الداخلية في لبنان، السياسية منها والاقتصادية والأمنية والإدارية، وما الى ذلك مما لا يمكن معرفته أو التنبؤ به، وقد شاهدنا هذا النموذج وعرفناه ونعرف خصائصه وسيئاته ولا نجد أي صعوبة في رؤية صورة لبنان مع هذا الفريق، وكيف ستكون حال اللبنانيين معه. والآخر يسعى الى بناء دولة لبنان الواحد التي تسعى الى سيادة العدالة والقانون والأمن والنظام والحرية الشخصية والسياسية، ما يؤدي الى الاستقرار والازدهار والترقي بين الأمم وسائر الدول.

من هنا تبرز أهمية هذه الانتخابات.

لذا على اللبنانيين أن يختاروا اياً من الفريقين يؤيدون، وفي أي موقع من الموقعين يقفون، ولأي مشروع يقترعون.
إما أن تكون في هذا الجانب أو في الجانب الآخر. لا تدع صوتك يذهب حيث لا تريد. إنها المرة الأولى، وقد تكون الوحيدة، التي يذهب فيها اللبناني الى قلم الاقتراع مستنداً الى مبادئ مغايرة تماماً لما كان يجري في ما مضى ولعل أهمها:

1 ـ لا تسأل المرشح ماذا فعلت خلال الأربع سنوات الماضية، بل اسأله ماذا ستفعل خلال الأربع سنوات القادمة.
2 ـ لا تسأل المرشح كيف كان وأين كان في الأربع سنوات الماضية، بل اسأله كيف سيكون وفي أي فريق سيكون في الأربع سنوات القادمة.
3 ـ بالرغم من أهمية ما جرى في الماضي وما يجري في الحاضر، الأهم هو ما سيجري في المستقبل. لذا لا تنتخب على أساس الماضي أو الحاضر إنما من أجل المستقبل، مستقبل لبنان ومستقبل الأجيال القادمة فيه.

أما نحن، الشعب اللبناني المسالم، الطيب، المسكين، فلا نريد وظائف ولا ماء ولا كهرباء ولا خدمات خاصة أو عامة. إنما نطلب فقط الأمن والاستقرار، ونحن نتدبر معيشتنا.

وفي المقابل يبقى أن نوجه كلمة الى القادة والزعماء أن يتحلوا بقليل من التواضع وأن يتنازلوا عن قليل من طموحاتهم الانتخابية، وأن يضحوا بشيء من حصصهم من المرشحين لبعضهم البعض وأن يتفقوا في ما بينهم على لوائح مشتركة في كل لبنان تضم النخبة من الرجال الذين يتمتعون بقدر عالٍ من الأهلية والجدارة والاستحقاق ويحظون بثقة المواطنين.

ولعل الكتلة الوسطية التي يتحدثون عنها حالياً أو مهما كان اسمها، تبدو حلاً للوطن ووسيلة للتخلص من هذا الانقسام الحاد وخارطة طريق لبناء دولة القانون والمؤسسات.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل