استفتاء شعبي رداً على السابع من أيار
بشيبهم وشبانهم، نسائهم ورجالهم، وحتى صغارهم، زحف اللبنانيون في الرابع عشر من شباط الى ساحة الحرية، وفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري.
أربع سنوات مرت كفيلة وحدها أن تثني اللبنانيين عن عزيمتهم، وكفيلة ايضاً بنسيان هذه الذكرى الأليمة، ولكنهم في كل سنة تمر، يزدادون تماسكاً واصراراً وايماناً بنهج الرئيس الشهيد، وما شهدته ساحة الحرية خير دليل على وفائهم وولائهم، وتأكيدهم على المطالبة بالمحكمة الدولية التي ستباشر عملها في مطلع شهر آذار المقبل.
لقد انتظر اللبنانيون طويلاً وهم يحلمون بيوم يشهدون بدء المحكمة الدولية، التي ستقتص من المجرمين بتقديمهم للعدالة، ولوضع حد للأيدي المخربة التي تستبيح تراب هذا الوطن ودماء شعبه وتتاجر بقضيته. لقد خسر المراهنون رهاناتهم ولبى ما يزيد على المليون ونصف المليون لبناني دعوة الشيخ سعد رفيق الحريري.
لقد غصت الساحات بالحشود الآتية من كل مدينة وبلدة وقرية لبنانية، جاؤوا لتجديد الولاء والوفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولتأكيد الالتزام بنهجه ومبادئه التي كرسها واصبحت نهجاً يحتذى به، وعرفاً وسلوكاً يمارسه اللبنانيون في حياتهم.
فالمراقبون قدروا هذه المشاركة بأنها أوسع مشاركة شهدها لبنان في احياء ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، حيث كرست منطق انتصار الدولة وتحقيق العدالة، وقد شهد هذا اليوم نصرة للحقيقة والمحكمة الدولية والتمسك بالقرار الوطني وعدم عودة نظام الوصاية، ونقطة تحول هامة في بسط السيادة والحرية والاستقلال وشكلت خطوة كبيرة على صعيد الاستفتاء من أجل ضمان الحرية والسيادة، ورفض الوصاية والتبعية، كما اعتبر انتصاراً لدم الشهداء ورفضاً للارهاب ورداً لاعتبار بيروت وأهلها. لقد جاء هذا الزحف البشري الى ساحة الحرية، رداً على أحداث السابع من أيار وما حمله من غدر وخيانة وطعن في ظهر اللبنانيين، باستخدام السلاح في الداخل اللبناني من أجل ترويعهم وترهيبهم.
لقد راهنوا على قوى الرابع عشر من آذار انها فقدت أواصر العلاقة فيما بين أقطابها، بل وحاولوا بشتى الوسائل تفريقهم، تارة بالاشاعات وتارة أخرى بفبركة الأقاويل ونسج خيوط الفتن، ولم يُفلحوا في اختراق صفوفها.
لقد أكد اللبنانيون مجدداً ان هذا الوطن الذي كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري يحلم ببنائه، سوف يدفعون الغالي والنفيس لتحقيق حلمه، ولن يثنيهم عن تحقيق هذا الحلم مهما فعل المجرمون والقتلة ومهما ابتكروا من أساليب التخويف والارهاب.
مفاهيم عديدة سوف تنتج عن هذا الحشد الجماهيري الكبير، وسوف نشهد اعادة خلط الأوراق من جديد لدى المعارضة، التي راهنت على اضمحلال هذا التأييد مع مرور الزمن، وخصوصاً أن موجة الأكثرية والأقلية عادت الى الواجهة من جديد.
وأول مفهوم سوف يكرس، هو مبدأ الاستفتاء الشعبي باعتباره أول استفتاء انتخابي، وقد يكون مؤشراً هاماً على نتائج الانتخابات المقبلة.
صحيح ان ارادة الشعوب هي التي تصنع الأوطان، وهذا ما أكدته ارادة الشعب اللبناني في أغلبيته التي صنعت ثورة الأرز، لا لتبددها بل لتحافظ عليها، لأن ثورة الأرز هي التي رسخت فكرة المحافظة على الوطن وانتشاله من الضياع، كما غيرت مفهوم الاستراتيجية الدفاعية، من مفهوم السلاح ودوره في الدفاع، الى مفهوم الارادة الشعبية ودورها في لملمة شتات الوطن في الدفاع والزود عنه.
بعد أن عادت أجواء التهدئة التي اتفق عليها المتحاورون في جلسات الحوار من أجل مناقشة الاستراتيجية الدفاعية، أمل اللبنانيون خيراً، وساد الارتياح الأجواء اللبنانية.
جاءت هذه المناسبة كترجمة للواقع السياسي والأمني المعاش، ولتأكيد مجموعة من الثوابت الوطنية وعلى رأسها المحكمة الدولية، وترسيخ دعائم ثورة الأرز، التي كانت وما زالت من أهم العوامل التي ساعدت على صمود هذا الوطن ووقوفه في وجه العواصف الاجرامية والارهابية.
كما جاءت نتيجة تضافر الجهود الجبارة، التي بذلها قادة الرابع عشر من آذار، وكان حصيلتها الاستقطاب الجماهيري الذي ما زال محافظاً على المبادئ التي كرسها الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والتي تحولت منهجاً للحياة، وأصبحت عرفاً، انما هي نابعة من ارادة شعب وقف في وجه تيار ارهابي جارف وتصدى له، وقد برهن عن جدارة من خلال الموقف العظيم والشجاع في تمسكه بهذا الوطن، خشية الضياع، كما كان في السابق وطناً هزيلاً ضعيفاً لأنه مسلوب وقراره مصادر.
وقد تصح مقولة "ان ضعف لبنان في قوته"، قوته التي تجسدت في ايمان شعبه بوطنهم رغم ما ألمّ به من نكبات ومصائب وحروب وملمات، شعب دفع دماءه في سبيل هذا الوطن وقدم عظماء رجاله لكي يحيا، حري بنا أن نفخر بهذا الانجاز العظيم، وأن نزداد تلاحماً وتوحداً كي لا تخترق صفوفنا ونتجزأ ونتباعد، فبتباعدنا يسهل على الآخرين اختراقنا ممن لا يرغبون في اقامة وطن اسمه لبنان، لأنهم تحولوا من مواطنين أصليين، الى جاليات تابعة، تأتمر بأوامر جهات حولت لبنان الى ساحة نزاع، ساحة اقتتال، حولت لبنان الى جبهة داخلية، وأوقعت بين اللبنانيين وأدارت البنادق الى صدورهم، فقط لأنهم تنازلوا عن مواطنيتهم، تنازلوا عن لبنانيتهم وانتمائهم، وارتضوا أن يكونوا أداة في يد من أطلقوا على أنفسهم محور الممانعة، الذي يلهثون وراءه ويقتدون به، ويطبقون مبادئه، ويرتكبون الحماقات بإسمه، ويبيعون انتصاراتهم له.
لقد كرس هذا اليوم مفهوم التعبئة الشعبية، من خلال الدعوة الى تجديد الوفاء للرئيس الشهيد، والاحتشاد في ساحة الحرية، وهي بمثابة رد على جريمة السابع من أيار، وكذلك رسالة متعددة المضامين لمحور الممانعة ولادارته في طهران، التي تعزف على أوتار المعارضة من خلال تجريدها من مواطنيتها، وإلباسها معطف الخادمة التي لا تعصي أوامر سيدها، وتفعل ما تؤمر، حتى لو كان ذلك على حساب وطن وشعب وقضية، جاء يوم الرابع عشر من شباط ليؤكد للعالم ان اللبنانيين في غالبيتهم، يطالبون بصوت واحد يطالبون بالحقيقة والمحكمة الدولية، التي سعوا الى طمسها ومحو معالمها وكأن جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري ستمر كغيرها من الجرائم، التي ارتكبوها منذ دخولهم لبنان.
ان محور الممانعة بعد أن أقفل سوق انتصاراته في لبنان، خرج ليفتش عن سوق آخر لترويج بضاعته المزيفة، فكانت هذه المرة غزة التي باع واشترى على اشلاء جثث أطفالها وشيوخها ونسائها، والمؤسف انه ورط جهات عربية خرجت عن السرب فتلقفها محور الممانعة، واتخذ منها درعاً وذراعاً عربياً لتحقيق مآربه.
لقد أكدت مناسبة الرابع من شباط، حرص اللبنانيين وتمسكهم بوحدة الصف والموقف، من خلال المشاركة المليونية التي احتشدت في ساحة الحرية، والشوارع المؤدية لها، حيث غصت الساحة والساحات المجاورة، بالحشود الآتية من كافة المناطق اللبنانية لتدعم موقف قوى الرابع عشر من آذار، فكانت هذه الحشود تقارع حشود الرابع عشر من آذار في حجمها بل تتفوق عليها عددياً.
وجاءت لتترجم ايضاً الحالة الانتخابية، عبر استفتاء شعبي أولي، لاعطاء صورة مسبقة عن طبيعة الانتخابات المقبلة، وعن نتائجها التي على ما يبدو أرعبت فريقاً كبيراً من قوى المعارضة، والذي لم يخف غضبه وامتعاضه، فتفوه بعبارات نابية عبر وسائل الاعلام تنم عن خذلانه وضعفه في وجه هذا المد البشري اللامتناهي، فأربكه وأصابه بحالة من الهذيان السياسي والانتخابي، فأصيب بداء الهلوسة وعدم التركيز.
وفي النهاية ان حشود الرابع عشر من شباط، كرست المفهوم السائد لدى اللبنانيين عموماً، وقوى الرابع عشر من آذار خصوصاً، بأننا لسنا أكثرية وهمية، بل حقيقية، وستترجم بإذن الله فعلياً في ايار المقبل، عبر صناديق الاقتراع.