#adsense

التواطؤ

حجم الخط

التواطؤ

"ما يقبض الموت نفساً من نفوسهم
الا وفي يده من نتنها عود"
المتنبي
في الرابع عشر من شباط، قبل أربع سنوات، كان وزير خارجية اسبانيا ميغيل أنخيل موراتينوس، يزور سوريا لإقناع قادتها بالتجاوب مع مقتضيات القرار 1559، وخصوصا بعدما صرح وزير خارجيتها فاروق الشرع بأنه "قرار سخيف"!. يومها سأل الصحافيون الشرع عن عملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري فقال: "نأسف لمقتل عدد من المواطنين اللبنانيين"!. أما موراتينوس وقد بدا التأثر واضحاً عليه، فقد شدد على فداحة الخَسارة برحيل الرئيس رفيق الحريري.

وفي شهر رمضان الذي تلا الاستشهاد، انبرى رئيس حزب عقائدي، في استعراض "يوم القدس" العسكري ليؤكد ان قضية رفيق الحريري تعني اهل الفقيد فقط "اصحاب الدم!" مستغرباً التشديد على البعد السياسي لهذه الجريمة.

ويأتي اليوم تلميذ المدرستين الإيرانية والسورية، تماهياً مع المنطقين المذكورين اعلاه، ليبدي استغرابه بدوره واستهجانه للاستمرار في إحياء الذكرى مع انها تخص عائلة الحريري فقط!

واستذكر مع كل هذا قول طلال سلمان بوصفه الجريمة الكبرى بـ"الحماقة!"، وقول وكيل بشار الأسد السابق في لبنان اميل لحود بأن الجريمة هي "ضرب رزالة"!

كلها تعابير وخطابات لمضمون واحد وهي تفريغ القضية من بُعدها السياسي والوطني وحصرها في قضية "حماقة" أو "ضرب رزالة"، عشوائي لتصبح القضية تخص فقط عائلة "الفقيد"، بعد تفريغها من كل ما رافقها من مشاهد وطنية تمثلت في ثورة الرابع عشر من آذار، ومن بعدها محاولة تجهيل الفاعل، أو التحضير لعملية فِرار المجرم من قبضة العدالة من جديد، كما جرى العمل على مدى ثلاثة عقود من الجرائم في لبنان، متخفياً تحت وشاح الشعارات القومجية.

فاروق الشرع المشارك في إعداد الجريمة، والحاقد على حجم ودور رفيق الحريري الاقليمي والدولي، وضع نفسه مباشرة في موقع الاتهام من خلال تجاهله للجريمة.

أما الحزب العقائدي، الملزم بتحالفه الاجباري مع مداه الحيوي وهو النظام السوري، فبادر مباشرة بعد الجريمة الى التغطية على مرتكبيها عندما اعلن في حركة شعبوية في الثامن من آذار 2005 عن "شكره لسوريا بشار الأسد". فعلى ماذا كان يشكرها يا ترى؟

ولكن بعد فشل مكيدة المظاهرة الفضائحية، عاد لاحقاً لتعرية الجريمة من ابعادها السياسية، الى ان انتقل لاحقاً الى تبرئة النظام السوري مغفلاً كل الدلائل.

أما مشاركة التلميذ النجيب الأخيرة في التغطية عن الجريمة فقد أتت على خلفيات متعددة. فنرجسية الرجل الخبيثة جعلته يتخبط بين عشقه لنفسه الذي تمثل بهروبه المخزي المشهور تاركاً جنوده في ساحة المعركة، مما حرمه شرف الاستشهاد، فأصبح يحسد رفيق الحريري على رمزية استشهاده لدرجة انه حاول منذ اليوم الأول ان يطمس او يشوه ذكراه بحركات بهلوانية وشعارات ديماغوجية مثل الفساد وغيرها.

كما ان اسبابه الأخرى متعددة، منها وضعه المأزوم على المستوى الشعبي والسياسي والانتخابي، وانضمامه النهائي والسافر الى معسكر الممانعة السوري الإيراني، مما يجعل سقوط هذا المعسكر الأخلاقي في ملف المحكمة الدولية بمثابة سقوط مضاعف للجنرال، بعد فشل رهاناته المتعددة على القضايا الخاسرة أخلاقياً ووطنياً.

أما ابواق الدعاية السورية الأخرى فهي مشاركة بشكل كامل في الجريمة من خلال محاولات التغطية الاعلامية والسياسية للجريمة، وهذا ما يضعها حسب القانون في موضع المساءلة. والمريب أيضا هو اقوال مشابهة لما قاله البير منصور منذ سنة: "في حال ثبت ان سوريا قتلت رفيق الحريري، يجب ان نسأل لماذا قتلت سوريا رفيق الحريري!" وهذا يعني ان جريمة التواطؤ سوف تستمر حتى بعد صدور البيان الاتهامي وربما حتى بعد الادانة، بمحاولة لتبرير الجريمة بشعارات قومية ودينية.

لا شك ان تجمع اللبنانيين العفوي يوم الرابع عشر من آذار سنة 2005 هو الذي حرم القتلة وأعوانهم من التملص من تداعيات الجريمة وما سبقها وما لحقها. كما ان الحجم الانساني والسياسي والديبلوماسي الذي مثله رفيق الحريري في حياته على المستويات الوطنية والعربية والعالمية، جعل امكانية تجاوز الجريمة شبه مستحيل. وهذا ما دفع، وربما احرج، المجتمع الدولي فأنشأ المحكمة الدولية في سابقة تاريخية. واليوم ونحن على بعد أيام من انطلاقة المحكمة الدولية، فانه من الواجب الاستمرار بالصمود لأن وصول الجاني الى قاعة المحكمة هو الضامن الوحيد لأبنائنا بأنهم لن يتعرضوا "لحماقة" جديدة أو "لضرب رزالة"! آخر من أحمق جديد او قديم. ان تجمع المواطنين في ساحة الحرية هذه السنة اتى ليؤكد على التزامه هذه الثوابت برغم كل حملات الترهيب والتشويش.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل