#adsense

الديموقراطية تحفظ التعددية و”التوافقية” تكرّس الطائفية

حجم الخط

نتائج الانتخابات المقبلة تقرّر مصير النظام في لبنان
الديموقراطية تحفظ التعددية و"التوافقية" تكرّس الطائفية

يكرر الرئيس بري القول ان الانتخابات النيابية المقبلة لا تقرر مصير لبنان، كما يرى البعض، بل تقرر مصير الوحدة الوطنية التي من دونها ومن دون التوافق، تهتز اسس العيش المشترك، ويؤكد ان لبنان لا يحكم من فريق واحد بل من الجميع، فيما يكرر اركان في قوى 14 آذار القول ان نتائج هذه الانتخابات هي مصيرية لانها ترسم صورة لبنان المستقبل، فإما ترسخ سيادة لبنان وحريته واستقلاله، واما تعيده الى زمن الوصاية والتبعية. فأي من الرأيين هو الصواب؟

يقول سياسي مخضرم ان كلا الرأيين يعبر عن واقع. فإذا فازت قوى 8 او 14 آذار بأكثرية المقاعد في الانتخابات النيابية المقبلة، فليس في الامكان تشكيل حكومة الا بتوافقهما، اذ ليس في امكان قوى 8 آذار ان تتجاهل اركان قوى 14 آذار عند تشكيل الحكومة، ولا ان تتجاهل قوى 14 آذار اركان قوى 8 آذار، لان الانقسام ليس سياسيا بين هذه القوى انما هو في عمقه انقساما طائفيا، والدليل على ذلك تعذر تعيين وزراء شيعة بديلا من الوزراء الشيعة المستقيلين كونهم ينتمون الى حزبين كبيرين هما: "حزب الله" وحركة "امل" وهما الممثلان شبه الوحيدين للطائفة… وهذا الموقف قد يتكرر عند تأليف حكومة مقبلة اذا كلفت اكثرية 14 آذار تأليفها، واذا كلفت تأليفها اكثرية 8 آذار، فانها تواجه العقدة ذاتها اذا رفض الجميع اركان 14 آذار المشاركة في الحكومة او زعماء اي طائفة من الطوائف التي تتألف منها هذه القوى، لان تمثيلهم في الحكومة بوزراء من الصف الثاني او الثالث، سوف يثير اعتراض من يمثلون.

الى ذلك يكون قول الرئيس بري في محله بإعرابه عن خوفه على الوحدة الوطنية في البلاد وهو خوف حقيقي لان الانقسام بين 8 و14 آذار وان كان ظاهره انقساما سياسيا، فهو في عمقه وواقعه انقساما طائفيا نواته سني في 14 آذار وشيعي في 8 آذار فيما المسيحي لا يشكل ثقلا لانه موزع بين القوتين.

لكن اركان قوى 14 آذار الذين ينظرون الى موضوع تأليف الحكومات المقبلة من زاوية اخرى اذ يرون انه ينبغي العودة الى ممارسة النظام الديموقراطي ممارسة صحيحة فلا يظل لبنان محكوما بالشعور الطائفي بل بالشعور الوطني كما كان في الماضي عندما كانت الحكومات تتألف من زعماء مسيحيين ومسلمين تارة من الصف الاول وطورا من الصف الثاني او الثالث. وعندما كان يحصل خلاف على اختيار رئيس للحكومة من نادي الرؤساء كان يؤتى بمن كانوا لا يزالون خارج هذا النادي امثال الحاج حسين العويني، وتقي الدين الصلح وشفيق الوزان. وكان عندما يرفض زعماء مسيحيون او مسلمون المشاركة في الحكومة، لسبب من الاسباب كان يستعاض عنهم بزعماء آخرين، وعندما كان يتعذر ذلك، فان رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف حسماً للخلاف في اختيار وزراء منهم، كانا يأتيان بوزراء ممثلين لهم من الصف الثاني وحتى الثالث سواء بالاتفاق مع هؤلاء الزعماء او بدون الاتفاق معهم لان عجلة الحكم ينبغي ان تتابع سيرها وليس امام الرافضين او المعترضين سوى حجب الثقة عن حكومة غير مقبولة منهم، وكانت المشاركة في الماضي لها اصول تختلف عما هي اليوم اذ ان الزعامات المسيحية والاسلامية لم تكن حكرا على احزاب او شخصيات لا بدائل منها، ولم تكن البلاد تواجه ما تواجهه اليوم من خطر نشوب ازمة وزارية قد تتحول ازمة حكم.

الواقع، ان الوضع الذي نشأ في السنوات الاخيرة، هو وضع شاذ لا يجوز الاستمرار فيه، وذلك بالعودة الى تشكيل حكومة وحدة وطنية كالتي تشكلت حاليا اذ ان تشكيلها كان نتيجة تسوية موقتة فرضتها الظروف السياسية والامنية في مؤتمر الدوحة ولا يجوز ان تصبح قاعدة، لانها تخالف دستور الطائف وطبيعة النظام في لبنان القائم على الانقسام السياسي والوطني وليس على الانقسام المذهبي والطائفي.

وهذا الدستور حدد اصول المشاركة في السلطة عند تشكيل الحكومة بجعل تشكيلها ممثلا كل المذاهب وبالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين في عدد الوزراء والا كانت مناقضة للفقرة "ب" من مقدمة الدستور ونصها: "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".

وحدّد دستور الطائف اصول المشاركة الوطنية في الحكومة بما نصت عليه المادة 65 وهو ان يكون النصاب القانوني لانعقاد جلسة مجلس الوزراء ثلثي عدد اعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها وان تتخذ القرارات في مجلس الوزراء توافقيا، فاذا تعذر ذلك فبتصويت اكثرية الحضور. اما المواضيع الاساسية وقد حددها الدستور بـ14 موضوعا، فانها تحتاج الى موافقة ثلثي اعضاء الحكومة. فاذا كان عدد هذه المواضيع غير كاف في نظر البعض لتحقيق المشاركة الوطنية الكاملة، فلا مانع من البحث في تعديل هذه المادة بزيادة مواضيع اخرى اليها بحيث تتطلب الموافقة عليها ثلثي عدد اعضاء الحكومة، اذ ان شرط الاجماع، سواء مع وجود انقسام سياسي بين اللبنانيين او طائفي، هو شرط تعجيزي من شأنه ان يحول دون التوصل الى هذا الاجماع حول كثير من المواضيع الاساسية وقد يكون بتها ملحا وضروريا لمصلحة الوطن او المواطن.

هذا الوضع الشاذ يجب الخروج منه بالعودة الى اتفاق الطائف الذي يكرس الديموقراطية العددية ويحافظ بالتالي على التعددية، وليس بالعودة الى اتفاق الدوحة الموقت ليصبح اتفاقا دائما ولو بالعرف والذي يكرس "الديموقراطية التوافقية" وحكم الطوائف…

لذا حسم الرئيس سليمان الجدل القائم حول هاتين الديموقراطيتين بالقول في حديث له انه يحبذ تسمية ما نطبقه في لبنان من ديموقراطية بالديموقراطية التوافقية، فالامر مرتبط بالميثاق النابع من فرادة لبنان في احتضانه مجموعات طائفية مختلفة كرس الدستور حقوقها. من هنا اهمية تمثيل جميع الطوائف اللبنانية في السلطة ولا يمكن لاي طائفة ان تبقى خارج السلطة وان يسير الحكم في الوقت نفسه بشكل طبيعي. وشدد على انه لن يسمح بقيام اي سلطة مستقبلية لا تعكس الميثاق الوطني الذي يحتم مشاركة الجميع. ففرضاً ان المعارضة فازت وامتنعت 14 آذار عن المشاركة في الحكم والطائفة السنية تشكل مكونا اساسيا فيها هل اسمح ان تشكل حكومة بدون تمثيل سني، وبالتأكيد لا وسأصرّ على تمثيل جميع الطوائف كما ينص الميثاق، وهذا واجب رئيس الجمهورية بأن يعين وزراء يؤمنون بضرورات الميثاق في اية حكومة. لكن هذا في رأي المراقبين يفرض عدم مقاطعة اي طائفة تشكيل الحكومات لان زعامات كبيرة باتت تحتكر تمثيلها بل عليها ان تفسح في المجال لزعامات او شخصيات اخرى كما في الماضي.

الى ذلك، ينبغي الاتفاق، ولو رضائيا بين قوى 8 و14 آذار ان من يفوز بأكثرية المقاعد في الانتخابات النيابية المقبلة، عليه ان يحاول تشكيل حكومة وحدة وطنية او ائتلافية ليس بمجرد جمع وزراء متخاصمين واضداد في الحكومة فلا احد يعرف متى تنفجر من الداخل، بل جمعهم حول برنامج عمل واحد يلتزم سلفا جميع من يقبلون المشاركة في الحكومة تنفيذه، فاذا تعذر ذلك، فان الاكثرية تتحمل مسؤولية تشكيل الحكومة، والاقلية تعارض داخل المؤسسات وتحاسبها بحجب الثقة عنها، وهي ثقة قد لا تظل اقلية، بل قد تصبح اكثرية عندما تصبح اخطاء الحكومة فادحة ومثيرة لنقمة الناس، فتضطر الحكومة عندئذ الى الاستقالة، وهو ما يعيد احياء النظام الديموقراطي السليم وعدم ابداله بنظام آخر يسمى "توافقي" يكرس حكم الطوائف ويدفع بالبلاد شيئا فشيئا نحو "الفيديرالية"…

المصدر:
النهار

خبر عاجل