اهتراء ثوبين
ليس عابراً ولا بسيطاً أن يكون لبنان منصّة لإطلاق "الصواريخ المجهولة المعلومة"، عند كل منعطف أو تعقيد إقليمي – دولي، ولا يحتاج المرء إلى كبير عناء ليتفهّم أو يفهم مغزى الصواريخ ومضمونها السياسي، فما حصل جاء بعد إعلان بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الاسرائيلية المكلف، أنّ إيران أولوّية له.
كذلك جاءت الرسالة الصاروخية بعد انتهاء زيارة الموفد الأميركي جون كيري إلى المنطقة، من دون أن يقدّم جديداً إلى النظام السوري. بل على النقيض من ذلك تماماً، إذ جاءت جولته في سياق سياسي استبعد تماماً العامل الإيراني وما عملت من أجله طهران طويلاً وكللته بما يشبه إعلان موت المبادرة العربيّة للسلام. فلقد أسقط كيري الرهان الايراني في شكل واضح: يخطئ (بشار) الأسد إذا اعتقد أنّ المبادرة (العربية) قد ماتت. ولم يكن وفد الكونغرس الأميركي الذي زار دمشق في وقت مواز أقل وضوحاً إذ أكد، ومن العاصمة السورية "أن سوريا عزلت نفسها من طريق دعم منظمات إرهابية… ونحن أيضاً قلقون من علاقاتها مع إيران… إنها علاقات مزعجة، وقد جئنا لنسأل ما إذا كانت سوريا مستعدة للتقدّم من أجل الحوار، وسنراقب عن كثب أفعالها خلال الأشهر المقبلة".
ولا يأتي إطلاق الصاروخين مقطوع الصلة عن تداخل المشهد الأمني في الداخل اللبناني: إلقاء قنابل، ترويع يومي للآمنين في أحيائهم، اعتداء على ضابط في قوى الأمن الداخلي في ضاحية بيروت الجنوبية، وهو ليس الأوّل من نوعه، واختطاف المهندس جوزف صادر على طريق المطار، أي في الضاحية نفسها. فكل ذلك يبعث مؤشّرات خطيرة حول المقبل من الأيام، وتحديداً في اتجاه الانتخابات النيابيّة.
ولنلاحظ أنّ وتيرة ما يحصل، بدأت بالتصاعد، بعد تظاهرة "14 شباط" المميّزة بكل المقاييس، وقبل إنطلاق المحكمة الدولية لمحاكمة قَتَلة قادة "ثورة الأرز" وفي مقدّمهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
مَنْ يقف وراء إطلاق الصواريخ يريد جعل لبنان منصّة، والحؤول دون تحوّله دولة، فضلاً عن توجيه رسائل متعدّدة أبرزها إلى:
ـ إسرائيل لإجبار نتنياهو على تعديل أولويّة أجندته، وإفهامه أنّ الوصول إلى إيران لن يكون قبل حرب مع لبنان تستنزف جيشه.
ـ الولايات المتحدة، لإقناعها بوجوب تعديل سياستها في المنطقة والأخذ في الاعتبار القدرة على تفجير المنطقة متى شاء الفاعل.
ـ اللبنانيين، للقول لهم إنّ مسيرة العبور نحو الدولة لم تُنجز وليست سهلة وأكلافها تتجاوز ما سقط من دمائكم وما خسرتموه من أرزاقكم.
في موازاة "الرسائل" الاقليمية من لبنان، لا تغيب الرسائل الداخلية المكملة. فاحلام قوى الثامن من آذار في إسباغ "شرعيتها"على شرعية الدولة اللبنانية، عبر الانتخابات النيابية الشرعية، تبدو بعيدة المنال، يؤكد ذلك وقائع الانتخابات المهنية والنقابية واستفتاء 14 شباط الذي أسقط مراهنتها على الترهيب الذي مارسته في "غزوة أيار" للجم اللبنانيين عن الاقتراع بحرية للسيادة والحرية والديموقراطية في السابع من حزيران المقبل.
في هذا "الباب" يندرج الاعتداء الدموي على المواطنين في 14 شباط واستشهاد لطفي زين الدين، كما يندرج "الابتذال" السياسي في ملف مجلس الجنوب الى حد استنفار المخاتير ورؤساء البلديات للتهجّم على رئيس الحكومة وتعييره بعدم زيارة بنت جبيل بعد حرب تموز، كأن غيره من الرؤساء اهترت نعاله، تحديداً في هذه البلدة. يندرج كذلك في هذا الاطار، "إكتشاف" "الجنرال" صعوبة إجراء الانتخابات في يوم واحد.
تتوزّع الأدوار في رسم الوقائع: طرف يدين دمويي ليل 14شباط الحالي، وطرف يتجاهل اتهام حركته – الى جانب الحزب القائد – ويكتفي بإرسال وفد لتعزية آل زين الدين. أما الطرف الثالث فيضع اللوم على جمهور 14 آذار لأنه تحرّك في مواكب من ساحة الشهداء واليها. ويتواكب كل ذلك مع تصعيد مفتعل في موضوع مجلس الجنوب لجعله قضية وعصباً قد يبرران، في لحظة سياسية مناسبة، تعطيل الانتخابات في منطقتين على الأقل هما منطقتا الجنوب وبعلبك – الهرمل فتجري الانتخابات على منطق "الجنرال" ويسهل تصويت من يقترع في منطقتين وهذا ما يعطّله إجراؤها في يوم واحد.
وتتوزّع الأدوار في رسم النتائج: يصر الامين العام، ومعه رئيس المجلس، على تسويق التشارك في الحكم أياً تكن نتائج الانتخابات. وإذا كان الأول حرص على تقديم عرض للأغلبية، إذا صارت أقلية، وردّ على رفضها الأكيد له، بأنه سيحكم وجماعته – عندها – بلا كيدية ليرينا كيف سيسوس البلاد، من دون أن يشرح ما سيفعل إذا عادت الأغلبية ولم تعرض عليه أن يعطّل الحكومة العتيدة بثلثه المعروف، فإن الثاني يقطع الطريق سلفاً على منطق الديموقراطية الذي يميّز الأغلبية بحقها في إدارة شؤون البلاد وفق برنامجها السياسي الذي فازت على قاعدته بالقول "إن لبنان لا يُحكم بديموقراطية كلاسيكية".
بين الصواريخ من الجنوب وفيه، وبين الرسائل السياسية المشتعلة في الداخل، والأنغام العازفة على وتر تهديد الانتخابات النيابية، وقائع ونتائج، يراد للبنان أن يبقى ساحة منازلة دولية – إقليمية. لكن ثوب "المقاومة" من خلال إطلاق الصواريخ الذي سارع إلى ارتدائه كُثُر خلال الحرب على غزّة صار ممزّقاً، ولم يعد صالحاً للاستعمال في المفاوضات السياسية، بعدما تبيّن أنه كان ذريعة لا أكثر، فيما ثوب الترهيب الداخلي مزّقته أقدام الآتين الى ساحة الشهداء يوم 14 شباط.