بين لبنانين
في زمن ذلك اللبنان الذي لم نعرف كيف نحافظ عليه كالرجال، وضيعناه من غير أن نبكي عليه كالنساء، كانوا يقولون بثقة وطمأنينة: اشتدّي أزمة تنفرجي.
مهما عَلَت الأصوات وعلت حرارة الخلافات بين الحكومة والمعارضة، أو بين فريق من النواب والحكم، كان الوسطاء وأصحاب المساعي الحميدة يتدخَّلون بين الفريقين، ويعيدون الأمور الى نصابها.
وكأنَّ شيئاً لم يكن.
وكأنَّ أزمة لم تنشب أظافرها وأنيابها، وتملأ الاصقاع بهديرها وتوعداتها.
وللحال يعود البلد كما كان. وتعود الحياة الطبيعيَّة والعلاقات السياسية أحلى من السمن والعسل.
ويبقى كل شيء في مكانه، حتى لو استقالت الحكومة، أو حلَّ مجلس النواب، أو استقال رئيس الجمهورية.
السياسيّون يعالجون الأزمات السياسيَّة، والناس يكملون حياتهم وأعمالهم في جو من الهدوء والأمان، واحياناً من غير أن يأخذ الكثير منهم علماً بما يحصل، والأسباب التي أدَّت الى هذه الخضَّة أو تلك الأزمة…
أما في زمن هذا اللبنان، لبنان ما بعد حروب قايين وهابيل، وما بعد حروب الآخرين، وما بعداتفاق الطائف واقامة الوصاية في الربوع الغناء، وحتى بعد جلائها، اختلفت الامور، وتبدَّلت الاوضاع، وتغيَّرت الوجوه والأساليب والمفاهيم والعادات.
حتى لغة التخاطب اختلفت وتبدَّلت. وحتى تعابير الكلام وتعابير الوجوه اختلفت وتبدَّلت.
وباتت كل أزمة قادرة على تهديد الميثاق الوطني وصيغة العيش المشترك والنظام ولبنان الذي كان واحداً حتى خلال الثورات والحروب. وصار اليوم لبنانات ودويلات ومحميَّات وحارات، وكل مين إيدو إلو، وكلَّ له لبنانه كما يناسبه، أو كما تقتضي مصلحته الشخصيَّة أن يكون.
… ومن بعد حماري ومصلحتي لا ينبت حشيش ولا يكون لبنان، ولا تكون الدولة، ولا تكون مصلحة الناس، ولا تكون الموازنة، ولا يكون استقرار، ولا تكون انتخابات، ولا يكون لبنان واحد، ولا يكون عيش مشترك…
الرئيس ميشال سليمان يعرف ذلك كلّه. ويعرف ماذا وراء الأكمة وراء الطلبات التي تشبه المطالبين بأن يبيض الديك ويبيض الحمام على الوتد.
ومنذ تسلمه سلطاته ومهماته والأزمات تؤكد والايام تبرهن انه لا تنقصه حكمة الرئيس الحريص على بلده ووحدة شعبه.
ولا تفوته شاردة أو واردة مما يحصل على الساحات اللبنانيَّة، وعلى الطرقات، وفي المربَّعات والمجمّعات، وعلى الحدود الجنوبيَّة والشمالية والشرقية والغربيَّة.
ويدرك أن أخطاء المسؤولين تساهم في خربطة أوضاع البلد، فيما اذا أخطأ الناس يمكن حصر أخطائهم ومعالجتها وتلافي اضرارها.
ومناسبة هذه "الاشارة الرئاسيّة" لا تحتاج الى شرح وتفصيل. فالاجواء السياسيَّة موضوعة على نار حامية.
ولا يستبعد العقلاء ان ترتفع حرارة السجالات والمواجهات في الأيام المقبلة، وكلما اقتربت طلائع اللوائح والاتفاقات الانتخابيَّة.
وعلى هذا ترى الرئيس سليمان يحرص على تمسكه بالصيغة والميثاق واتفاق الطائف، وعلى ان يبقي تشكيلة حكومية تشبه الدستور وتشبه التركيبة اللبنانية المتعددة الطائف والمذهب والانتماء والأزمة…