#adsense

سليمان في “نقطة نظام” يعيد الاعتبار للدستور.. ضد الثلث المعطّل

حجم الخط

في ضوء حديثه عن الديموقراطية "الميثاقية" لا "التوافقية" وعن "التعدد في التمثيل" مخرجاً سياسياً
سليمان في "نقطة نظام" يعيد الاعتبار للدستور.. ضد "الثلث المعطّل"

في اليومين الماضيين أطلق رئيس الجمهورية ميشال سليمان عدداً من المواقف الدستورية ـ السياسية "اللافتة".
قال إن التعريف الأدق للديموقراطية في لبنان هو أنها "ديموقراطية ميثاقية" لا "ديموقراطية توافقية". ثم قال إن "رئيس الجمهورية مسؤول أن يبقي على تشكيلة حكومية تشبه الدستور الذي هو دستور ميثاقي"، مشدداً على أن الديموقراطية بقدر ما هي "إرادة ايجاد الحل" هي أيضاً "قبول نتائج القوانين التي تُسنّ"، لافتاً الى أهمية تنوع التمثيل "خصوصاً أن أي أمر يطرح اليوم يلاقي إستقطاباً".

"الديموقراطية الميثاقية": إعادة إعتبار للطائف

لا تقدم مواقف الرئيس سليمان هذه شروحاً أوسع ولا تعين أهدافاً محددة لإطلاقها. غير أن هذه المواقف وقد غدت ملكاً لـ"العموم" وأُعلنت في توقيت سياسي محدد، تستدعي "ترجمة" سياسية "دقيقة" ما أمكن.

وحقيقة الأمر هنا هي أن الرئيس بتصحيحه لـ"مفهوم" الديموقراطية في لبنان على أنها "ميثاقية" لا "توافقية"، إنما يعيد الإعتبار لاتفاق الطائف الذي يمثل الميثاق الوطني. وبإعادته الإعتبار لإتفاق الطائف وللدستور المنبثق من الطائف، فإن رئيس الجمهورية يعيد الإعتبار أساساً لـ"منطق" تشكل السلطة في لبنان على قاعدة وجوب عدم تناقضها مع ميثاق العيش المشترك. وهو يؤكد أن لا قيود على الديموقراطية البرلمانية إلا قيد الميثاق وأن لا حدود لممارسة العملية الديموقراطية اللبنانية إلا حدّ تناقضها مع الميثاق و"دستور الميثاق". والواقع هنا هو أن الطائف ودستوره لا يتيحان في الأصل حصول التناقض بين الديموقراطية والعيش المشترك. ذلك أن الديموقراطية البرلمانية ـ أي النظام الجمهوري الديموقراطي البرلماني ـ تنطلق من الإلتزام بالمساواة ـ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب ومجلس الوزراء. وتنطلق أيضاً من الإلتزام بمعادلة "فاصلة": إذا كان مجلس النواب هو الإطار الدستوري الذي يضم ممثلي الشعب بكافة طوائفه وشرائحه الفائزين في انتخابات ديموقراطية تفرز الأكثر تمثيلاً من بينهم في هذه الدائرة الانتخابية أو تلك، فإن مجلس الوزراء، أي السلطة التنفيذية التي تتشكل بعد الانتخابات النيابية ليست إئتلافاً حزبياً، أو إئتلافاً بين الحزب الأكثري في هذه الطائفة والحزب الأكثري في طائفة أخرى بالتعريف. وتنطلق الديموقراطية البرلمانية ـ تحت سقف الميثاق ـ من التمييز الدقيق بين "حقوق الطوائف" لا سيما حق التساوي بالمناصفة بينها من جهة وبين "أحزاب الطوائف" من جهة أخرى، فلا تكون "حقوق الطوائف" محفوظة إذا كانت أحزابها أو بعضها في هذا الموقع أو ذاك وغير محفوظة في حالة مختلفة. وكذلك، تنطلق الديموقراطية البرلمانية من التمييز الواضح بين السلطات أي من الفصل بين السلطات ومن عدم تداخلها.

سليمان ينتقد التجربة ويصحح المسار

بكلام آخر، سواء "قصد" الرئيس سليمان أم لم "يقصد"، فإن ما أعلنه في اليومين الماضيين، هو نقدٌ لتجربة السنوات الأربع الماضية، ودعوة الى تصحيح المسار. وتأسيساً على ما قاله، ليس في لبنان بموجب ميثاقه ودستوره، شيء اسمه "حكومة وحدة وطنية"، حكومة إئتلاف بين "أحزاب الطوائف" أو بين الأكثرية والمعارضة. تأسيساً على ما قاله سليمان، في لبنان حكومة شرط قيامها الوحيد هو ميثاقيّتها أي أن تكون مناصفةً بين مسلمين ومسيحيين بصرف النظر عن "حجم" تمثيلهم بما أن الحكومة كي تحكم يفترض أن تحوز ثقة المجلس النيابي حيث الصفة التمثيلية و"الموضوع التمثيلي".

حضّ على "دينامية" اختلاط

وإذا كان ما قاله سليمان يشكل حضّاً على أن تتشكل أكثرية "مختلطة" طائفياً وعابرة للطوائف ومعارضة "مماثلة"، فلم يكن من عائق خلال السنوات المنصرمة في وجه تشكيل الأكثرية لحكومة ميثاقية، ولن يكون أي عائق في وجه تشكيل الأكثرية التي ستفرزها الانتخابات المقبلة لحكومة ميثاقية تعريفها الوحيد أنها حكومة المشاركة مناصفةً بين المسلمين والمسيحيين. وعلى أي حال، فقد آن أوان إنطلاق ديناميات تشكل الأكثريات والأقليات السياسية على نحو "مختلط" في سبيل التطبيق الفعلي والجدي لإتفاق الطائف، وهي ديناميات جرى حجزُها في ظل الوصاية السورية من ناحية ومن جانب فريق 8 آذار بعد زوال الوصاية من ناحية أخرى.
لذلك كله، وإذ يمكن تشبيه ما أعلنه سليمان بـ"نقطة النظام"، لا يمكنُ في المقابل إلا إعتبار أنه يضع حداً فاصلاً بين "حكومة ميثاقية" يصفها بقوله إنها "تشبه الدستور" يجب أن تقوم، وبين "حكومة وحدة وطنية" هي أي شيء إلاّ الحكومة التي "تشبه الدستور".

ضد "الثلث المعطّل" المستهدِف لدور الرئيس

وفي سياق متّصل، وأيضاً سواء "قصد" الرئيس سليمان أم لم "يقصد"، فإنه بتصويبه مفهوم الديموقراطية في لبنان تأسيساً على اتفاق الطائف ودستوره، إنما "يقترع" ضد بدعة "الثلث المعطّل". "الحكومة الميثاقية" لا تعني "ثلثاً معطّلاً" لأي جهة كانت. وبصيغة أخرى، فإن رفض "الثلث المعطّل" من جانب الرئيس ينتجُ منطقياً عن إعادته الاعتبار للميثاق ولسياق تشكّل السلطة.

غير أن ما لا شك فيه أن "إستنتاج" وقوف رئيس الجمهورية ضدّ "الثلث المعطّل"، مبنيّ ليس فقط على المقدّمات السالفة المتّصلة بالميثاق والدستور، بل هو مبنيّ أيضاً على "التجربة". فقد أتت "التجربة"، ما بعد "إتفاق الدوحة" وتشكيل الحكومة الحالية خصوصاً، تفيد أن "الثلث المعطّل" ليس مسلّطاً على الأكثرية فحسب لكنه يستهدف دور رئيس الجمهورية، بما هو دور "الحكَم" في المحطات الأساسية. وعليه، تأسيساً على ما قاله سليمان، وعلى ما يمكن إستنتاجه منطقياً منه، لا "حكومة وحدة وطنية" أو "حكومة إئتلاف حزبي" بعد الانتخابات بل حكومة ميثاقية، ولا "ثلث معطّلاً" أيضاً.

إشارتان "لطيفتان"

ولعلّ الرئيس سليمان شاءَ ألا يدخل في موضوع "الثلث المعطّل" على نحو "مباشر". بيدَ أنه أعطى إشارتين سياسيّتين "لطيفتين" في هذا المجال. الأولى ـ والأهم ـ تمثّلت بمقاربته الأمر من زاوية الدعوة الى أن تفرز الانتخابات المقبلة ما سمّاه "تنوّعاً في التمثيل" عزا ضرورته ـ التنوّع ـ الى وجوب تجاوز "الاستقطاب" الحالي. وغنيّ عن القول إن "التنوّع في التمثيل" وقد طرحه الرئيس "في وجه" الاستقطاب، مع أن للتنوع جانباً ديموقراطياً "طبيعياً" أيضاً، يشكّل بالنسبة إليه على ما يبدو "المخرج السياسي" من "الثلث المعطّل" أي أن التنوّع يؤدي الى إلغاء "الثلث المعطّل" عملياً فضلاً عن كونه يفسح في المجال أمام تعدّد الخيارات الحكومية. هذا مع العلم أن التنوّع يفترض ـ مرة أخرى ـ قيام "الكتلة المستقلة". أما الإشارة الثانية ففي قول الرئيس إن "التلويح من قبل البعض بعدم الاشتراك في الحكم في حال خسارته الانتخابات، يمكن تلافيه". و"اللطافة" هنا أن سليمان إذ يتحدث عن مواقف لقادة في 14 آذار في مقدّمهم رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري بشأن رفض المشاركة في حكومة يشكّلها فريق 8 آذار إذا حاز الغالبية النيابية، لم "يشجب" هذا الموقف واكتفى بالكلام عن إمكان "تلافيه". ويبدو أن "المقصود بـ"تلافيه" ليس عدم تكراره أو عدم تأكيده، بل إيجاد الظرف السياسي الذي يجعل "التلافي" ممكناً.. والظرف السياسي هو "التنوّع في التمثيل".

الرئيس وضرورة "تصعيد" الوضوح

إن ما رمت المقدّمات الآنفة إليه ليس "تقويل" الرئيس ما لم يقله، بل ممارسة "حقّ" إستنتاج الفعلي مما قاله. وذلك للتشديد على حقيقة أن ما يسمى "حكومة الوحدة" و"الثلث المعطّل" يفقدان "الأرض" إضافة الى فقدانهما الحيثيّات الميثاقية والدستورية. وللتأكيد على ضرورة إنجاز الانتخابات ورفض أي مساومة على الانتخابات وأي مقايضة على ما بعدها مما يسوّق له فريق 8 آذار أو بعضه. ولملاحظة تقدم خطاب رئيس الجمهورية تدريجاً باتجاه ممارسة دور الحكَم، ما يستدعي مناشدته الإقدام على مزيد من "الوضوح" أي "تصعيد الوضوح" وتشديده.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل