وزير الاتصالات أمعن في "التخابر" مع النظام السوري تحضيراً لملف الدفاع في "المحكمة"
"همروجة" التنصّت وقفت عند عتبة "اللاشرعية"
بدأ وزير الاتصالات جبران باسيل مهمة "الإصلاح والتغيير" التي أوكلها إليه الشعب اللبناني في العام 2005 مع دخوله وزارة الاتصالات في حكومة الوحدة الوطنية التي أنتجها اتفاق الدوحة، مفتتحاً عهده الوزاري بملف "دسم"، عنوانه التنصت الذي لطالما شغل اللبنانيين، وهو عنوان يصلح لمعركة انتخابية يجمع الكثيرون على أنها مصيرية للوطن ومستقبله.
أثار رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط موضوع ضابط الأمن العام الموجود في الوزارة، فثار الوزير باسيل، وبدأ حملة الهجوم على الأكثرية متهماً إياها بأنها تنتهك حرمات المواطنين ووصل به الأمر إلى الإدعاء بأن فريق "14 آذار" يراقب حتى رسائل الود والغرام داخل المجتمع اللبناني، وقال بالحرف "فتح هذ الموضوع والتركيز عليه يظهر أننا نمس المحرمات العائدة لفريق معين اعتاد من خلالها أن ينتهك حرمات الناس وحقوقهم".
إلا أن تدرج الأحداث ارتد سلباً على الوزير المعني في كل المقايسس، و"سخافة" ما كشفه فتح عليه أبواب مغلقة، كانت تبقي المستور بعيداً عن الأضواء وتُظهر باسيل بصورة "البطل" الذي يريد أن يحرر وزارة الاتصالات من الأعداء والمعتدين، الذين في مكان ما، "تعاملوا" مع لجنة التحقيق الدولية التي اعتمدت بشكل كبير على مراقبة الاتصالات لاكتشاف خيوط مهمة في ما خص الاغتيالات التي حصلت في لبنان بدءاً من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري مروراً بكل الشهداء الذين سقطوا في مرحلة ما بعد الاحتلال السوري.
وعلى الرغم من أن وزير الاتصالات لاقى دعماً غير محدود من حلفائه ومن وسائلهم الاعلامية التي استغلت الفرصة لفتح النار على قوى الأمن الداخلي وعلى فرع المعلومات على جري العادة، علماً أن وحده جهاز الأمن العام هو الذي كان يملك جهازاً للتنصت في الفترة السابقة كما تشير المعلومات، والضابط الذي يعتمد عليه وزير "التغيير والإصلاح" أت من زمن اميل لحود وجميل السيد، وبالتالي لا بد له أن يكون خبيراً بموضوع التنصت، السلاح الأول والأخير الذي اعتمد في زمن الوصاية لقض مضاجع اللبنانيين جميعاً دون استثناء.
في ظل التطورات المتسارعة، والمعطيات التي أوهم باسيل حتى حلفاءه بها، سارع رئيس لجنة الاتصالات النائب حسن فضل الله إلى التحرك سريعاً لملاقاة حليفه في منتصف الطريق، إلا أن الاجتماع الأول للجنة والذي حضرت له المعارضة باتقان، ارتد سلباً على الوزير ومن معه، وفي طليعتهم وزراء "التغيير والاصلاح" الذين كان لهم مواقف بعيدة عن سلوكيات التخاطب والنقاش الحضاري، والمجتمعون في مجلس النواب وخاصة وزراء الأكثرية الذين أمطروا الوزير باسيل بسيل من التساؤلات التي لم يحسب لها أي حساب، لم يسمعوا أجوبة مقنعة ردا على أسئلتهم، وخاصة تلك المتعلقة بتوفير المعلومات بالنسبة إلى حوادث التفجير والاغتيالات. بل كشفت الجلسة وقائع جديدة. فقد تبين أن هناك إحجاما عن إعطاء معلومات دقيقة للجنة التحقيق الدولية. وبالتالي تأكد ما كانت قد ذكرته "النهار" نقلاً عن مصدر في الأمن الداخلي من أن باسيل حجب المعلومات عن القوى الأمنية في بعض الانفجارات التي حصلت ولا سيما انفجار طرابلس مما أدى إلى عدم الكشف عن من وراء هذا العمل الارهابي.. وتواصل مسلسل حجب المعلومات إلى حين تدخل رئيس الجمهورية لدى باسيل من أجل التعاون لما فيه مصلحة الوطن.
اجتماع وزاري وآخر برلماني، والغاية الاطلاع على واقع التنصت وما أثير حول هذا الموضوع، ليتبين أن الوزير المعني افتعل معركة من "لا شيء"، والقانون 140 الذي "انتصر" له باسيل لم يمنع في نهاية المطاف الأجهزة الأمنية من الاطلاع على قاعدة البيان التي كان الوزير يحجبها عن القوى الأمنية المعنية، بعد أن تم الاتفاق على اعطاء "الداتا" في غضون 15 يوماً، وأكثر من ذلك تبين بعد هذه الاجتماعات المتلاحقة أن لا تنصت حسبما أكد رؤساء الأجهزة الأمنية، وان المعدات التي يمتلكونها حالياً لا تمكنهم من التنصت، إنما الحصول على معلومات من باب الأمن الوقائي، ولا تتعلق بفحوى الاتصالات إنما معلومات "الداتا".
"الفضيحة الباسيلية" هذه لم تقف عند هذا الحد، ومطالبة فريقه بلجنة تحقيق برلمانية تتابع ملف التنصت، والتي اعتبروها تهديداً للأكثرية، أو بمثابة عملية تخويف يستطيعون من خلالها التهديد، أصبحت اليوم وراءهم، فانقلب السحر على الساحر، والسبب في ذلك أن المعارضة لم تحسب أن الأكثرية النيابية ستطرح "المحظور"، أي التنصت الذي يحصل على كامل أراضي الجمهورية اللبنانية من قبل جهات حزبية، وهذا ما يسمى التنصت غير الشرعي، وليس كما ادعى وزير "التغيير والإصلاح". وبالتالي اصرارها على المطالبة بتشكيل لجنة التحقيق البرلمانية.
والتقارير الصحافية التي صدرت بهذا الإطار، تشير إلى أن وزراء ونواب "حزب الله" تراجعوا في مكان ما عن الولوج في ملف التنصت إلى مرحلة أبعد مما وصل إليه، لأن في ذلك امكانية طرح ملفات لا تخدم مصلحة الحزب "الخاصة"، وهذا ما أثبتته الأيام القليلة الماضية والتي لم نعد نسمع فيها أي شيء عن التنصت ولا سيما من قبل النواب والوزراء المحسوبين على قوى 8 آذار، وهذا أيضاً ما استدعى هؤلاء إلى مقاطعة اجتماع لجنة تكنولوجيا المعلومات التي طرحت هذا الموضوع أيضاً.
وفي هذا الإطار، يشير النائب مصطفى علوش إلى أنه عندما تم الحديث عن التنصت الخارج عن إرادة الدولة عاد الصمت ليلف هذا الموضوع، كما أن الوزير باسيل تراجع عن حجة تطبيق القاونو بعد أن ووجه بحق الأجهزة الأمنية بالحصول على قاعدة المعلومات وكيفية ضمان أمن المواطنين. وبالتالي محاولة الخروج من هذا الأمر بموقع البطولة باءت بالفشل.
وبعيداً عن التسوية التي حصلت في هذا الملف، فإن الواضح بالنسبة لعلوش أن التعاون بين 8 آذار والنظام السوري قائم ومستمر ويشير إلى أن هذا التعاون لم يبدأ من اليوم فالوزير آلان طابوريان والذي شغل منصب وزير الاتصالات في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي كان قد أصدر قراراً بعدم التعاون مع أي جهة كانت عشية طرح قيام لجنة التحقيق الدولية، بالإضافة إلى الفضيحة في تعيين باسيل للضابط دانييل فارس في الوزارة، والذي هو مقرب من جميل السيد، وكل هذه الأمور تشير إلى المحاولات المتلاحقة من جماعة شكراً سوريا لإعطاء النظام السوري الفرصة والمساعدة اللازمة لتحضير ملف الدفاع عن نفسه في المحكمة الدولية.
ويذهب علوش في قراءته للوقائع التي انتجها طرح هذا الملف، إلى التأكيد على أن المهم الآن أننا ضمنا استمرار التعاون مع الأجهزة الأمنية لملاحقة الجرائم في حال حصلت، وأي ممانعة ستظهر من جديد سنعود للضغط على المعنيين في هذا الإطار. ويشير إلى أنه في الأوضاع الطبيعية يجب أن يكون الوزير المعني بموقع المساءلة في حال تمنع عن القيام بواجباته ويمكن الوصول إلى محاكمته في حال لم يتجاوب.
ينتهي علوش لخلاصة مهمة تؤكد الواقع المزري الذي نعيشه، بالقول "هذه هي دولة الثلث المعطل التي تستطيع تغطية أي شيء، حتى الخروج عن القانون".