كيف يجمع الأب والإبن قطباً وموظفاً عدوَين؟
ربما الحروب اللبنانية المتعاقِبة أفقدت اللبناني الكثير من الأمور والمميِّزات لكنها لم تُفقده ذاكرته، فتغلَّب على النسيان، لا ليحقُد بل ليتعظ ويتعلَّم من دروس هذه الحرب وظروفها لئلا يُكرِّر التسليم بالأَخطاء التي أرتُكبت.
مما تحفظه الذاكرة أن المؤسسات والدستور والقوانين كانوا في الماضي القريب، وقبل التحوُّلات الكبرى التي شهدها الوطن، كاللبنانيين:
شهود زور ومغلوبين على أمرهم، وكانت كل الممارسات تُرتَكب بإسمهم وهُم منها براء.
من هذه الممارسات كيفية تشكيل الحكومات، كانت التشكيلة تُركَّب ثم (يُستدعى الدستور) لتغطيتها، كان موظف أمني كبير يضع اللائحة آخذاً بعين الإعتبار (رغبات) أولياء شأنه، ومَن يُفضِّلون من الأسماء، ولا يغفل عن وضع أصدقائه في التشكيلة مستفيداً من قدرته على التسويق والترويج، وكان في حقيقة الأمر يُسوِّق مَن كان يتبادل معهم (الخدمات) ولو على حساب الوطن والمواطن، فوصل رجالٌ عاديون إلى مناصب كانت تستلزم خبراء وعارفين ولا ملفات على أكتافهم.
كانت وزارة الطاقة، ولا تزال، من أخطر الوزارات وأكثرها تعقيداً، لأنها كانت، ولا تزال، تستنزف خزينة الدولة وجيوب المواطنين، مع ذلك لم يجد الموظف الأمني الرفيع، ليتولى حقيبتها. سوى أحد الأشخاص الذي لا يملك من المواصفات سوى صداقته الشخصية له والتي قامت أصلاً على (خدمات متبادلة) بلغت ذروتها في (ردِّ الجميل له) بمنحه حقيبة الطاقة.
* * *
هذا لا ينساه اللبنانيون، وما ضاعف من إنعاش ذاكرتهم في شأنه أن أحد أقارب (وزير الطاقة المتبادَلة) هبط من المظلَّة مرشحاً اليوم في الأشرفيّة بمباركة ورعاية وتسمية من قطب كان على خصومة مستحكَمة مع الموظف الأمني الرفيع!
* * *
الحمد لله أن ذاكرة اللبنانيين تُسعفهم وتجعلهم يرسمون أكثر من علامة إستفهام حول هذا التلاقي الموضوعي بين هذا القطب وذاك الموظف والذي تمثَّل بأن إختار الموظف الأب فيما إختار القطب الإبن، فأي مواصفات يحملها الإثنان ليكون الأب وزيراً والإبن مشروعَ نائب؟
* * *
إنها (الخدمات المتبادَلة) التي تقفز فوق كل المعايير والمواصفات، لكن ما فات هؤلاء أن الذاكرة تُشكِّل مانعاً للتمادي في إهانة مشاعر اللبنانيين. أبناء الأشرفية يُدركون هذه الحقائق ولن يسمحوا بأن يتسلل إلى سلطة اليوم مَن أفاد من سلطة النظام الأمني الداخلي الذي كان سائداً بالقهر وبالقوة.
* * *
الأشرفية تعرف جيِّداً مَن سهر على مصالح أبنائها لمرشحي الهبوط بالمظلّة أن (يضعوا اليد) على شعارات (ثورة الأرز) وعلى منافسة حامليها، فزمن التلاعب بالذاكرة ولَّى وزمن تشويه الحقائق وتركيب الملفات خرج مع الخارجين من السلطة.