الصراع على الـ”L.B.C”!!

 الصراع على الـ"L.B.C"!!

محزن هذا الصراع على المؤسسة اللبنانية للإرسال، الذي يتفاعل ويزداد حدّة يومياً، كلما تصاعدت لهجة بيانات المؤسسة، ولهجة الردود عليها، ومحزن استشعار هذه "الشماتة" التي تطل من بين سطور بعض الصحف على رغم حصولها على تعليق من رئيس مجلس إدارة المؤسسة الشيخ بيار الضاهر حيث لم تتورّع صحيفة معارضة بالأمس عن نشر صورته بتعليق على الطريقة الكاوبوية الأميركية:"WANTED "، مع أن الضاهر ليس فارّاً من وجه العدالة ولا "مسجل خطر" على لائحة المطلوبين للعدالة، وليس هناك ما يستدعي هذه الصورة غير البريئة والتي تفوح منها روائح "زمالة" عفنة، فمذكرة "الإحضار" التي صدرت بحقه لا تعني أنه فارٌ من أمر ما، الرجل لم يحضر جلسة أمام قاضي التحقيق كان يتوجب عليه حضورها، وهذا جزء من المناورات القضائية..

هذا في الشّكل، أما في المضمون فتتولّى صحف جمهور المعارضة الذي خرج ليحرق الدواليب احتجاجاً على برنامج، وكاد يحرق البلد، ورسم على طريق المطار وعلى العواميد الإسمنتية إشارة النازية وكتب عليها اسم المحطة، ورسم نجمة داود في أعلى تهمة خيانة توجّه للمحطة، تتولى هذه الصحف تحديداً تخريج الأزمة التي تعصف بالمؤسسة اللبنانية للإرسال، وهذه الأزمة تؤكد لنا أموراً كثيرة، خصوصاً بعد أن تصل إلى مسامعنا تعليقات تختصر حال الخيبة التي يقرأ بها كثيرون ما يحدث.

بالأمس قالت لي صديقة: "هيدول هني المسيحيين، هكذا هم في حقّ بعضهم البعض، اشكري الله أنك لست مسيحيّة"!! وأستطيع أن أتفهّم هذه الخيبة، لما شكلته L.B.C في وجدان الشارع المسيحي، وما لها من اعتبار وتقدير عند اللبنانيين عموماً …

ذات يوم استيقظ اللبنانيون في عزّ حروب الشوارع في بيروت الغربية يوم كانت عرضة لاجتياحات جحافل الغوغاء انتقاماً تحت عناوين "مروّعة" وصلت حتى نبش معاوية بن أبي سفيان "من قبره"…استيقظوا في عزّ هذا الظلام المطبق، خرجت المؤسسة اللبنانية للإرسال لتبعث الثقة في نفوس اللبنانيين، لتؤكد للخارجين في بيروت الشرقية مطحونين من اغتيال الرئيس الشيخ بشير الجميل وحرب الجبل وقلب الطاولة على الاتفاق الثلاثي، خرجت الـ L.B.C لتؤكد للمسيحيين أنهم كانوا دائماً أهل الريادة في هذا الشرق، فكانت أول محطة تلفزيونية عربية خاصة أسستها القوات اللبنانية… ويوماً بعد يوم دخلت المحطة بيوت وقلوب اللبنانيين..

لم تكن محطة للترفيه فقط، كانت تحمل قضيّة لبنان وتناضل من أجله، وعندما جاهد أهل الوصاية لمصارعتها لم يستطيعوا أن يخرجوا إلى حيّز الضوء سوى محطة "المشرق" جارة "البوريفاج" وشهرته المرعبة في تلك الأيام وعلى رأسها "كتبة التقارير"، وعلى رأس L.B.C عبقري الإعلام العربي بيار الضاهر، وكوكبة من أهل الثقافة والفكر والفن والشعب اللبناني، بالكاد مرّ عامان كانت L.B.C الحدث في لبنان، كما كانت شاشة كل البيوت حتى الذين هم ضد خطها السياسي..

ما زال وجدان اللبنانيين يردد: "شرقت شمس الـ L.B.C. وتغير كلّ الموضوع"!! وبعد اتفاق الطائف عندما سلّمت القوات اللبنانية مبنى دار المعلمين للدولة اللبنانية، وانتقلت المحطة إلى مقرها الحالي في أدما، احتفلت المحطة على طريقتها: مبروك النقلة عالـ L.B.C.. أتقنت المحطة دائماً إعادة صناعة وصياغة الحدث، حتى في عزّ حرب الإلغاء، وعلى رغم تعرّض إرسالها لضعف كبير تحت وطأة الاستهداف، ظلّ صوتها يأتي إلى بيوت تتابع قلقة كيف يتم إسقاط آخر منطقة يقال عنها "لبنانية حرّة"، صرنا نردد معها: "دق الخطر عالبواب بعتم الأيام الصعبة"!!

لماذا وصلت الأمور إلى هنا؟ ولماذا تكسّرت كل الجرار بين الذين قالوا لنا منذ نشأة المؤسسة أنهم رفاق؟ ومن المسؤول عن تمزيق آخر موقع مسيحي صمد عندما وصل الوهن حتى إلى موقع الرئاسة، وحتى عندما عشش الفراغ في بعبدا، ظلت الـ L.B.C الصوت الناطق بلسان الذين يجدون أنها صوتهم وضميرها..كان بالإمكان أن لا تصل الأمور إلى هنا !!

وبصرف النظر عن السياق القضائي الذي أخذت منحاه الأمور، وبصرف النظر عن الردود المتبادلة، وبصرف النظر عن الصدمة التي أصبنا بها بعد بيان المؤسسة مساء الاثنين الذي وصل حدّ إنكار الذات، لا إنكار هوية المؤسسة، مع أن ذاكرة الحرب اللبنانية موثقة، وهي نفسها هذه القوات التي يتساءل بيار الضاهر عن هويتها، هي نفسها كان هو أحد أبنائها، وخاض حرب الجبل مع سمير جعجع وكان مسؤول الارتباط في بحمدون باسمه "بيارو" الذي نعرفه به كلّنا.. هل هي لحظة "طمع".. ثمة حكمة تقول:"الطمع قلّ ما جمع"!!

الـ L.B.C تعيش أسوأ أيامها، أتأمل في وجوه الذين ترافقنا مع وجوههم وتزامنت بدايتنا المهنية مع بداياتهم، أتأمل في الذين شكلّوا لنا يوماً مثالاً للتمسك بلبنان وسيادته وحريته واستقلاله، فاعتبرناهم "قدوة" في ممارسة الممكن تحت هذا العنوان في مواقعنا الإعلامية الصعبة، أتأمل في اللحظة الشرسة التي نعيشها، لحظة يتطاحن فيها الحقّ مع رأس المال الذي يزيد عالمنا توحشّاً، أتذكر صوت "العلامة" الراحل عفيف دمشقيّة، أستاذي الذي كان يحملني تأنيباً على الملأ:"شو صرتو متل مذيعات الـ L.B.C، "كمانا" و"بعدانا" ناقص تقولو "سيارات وطيارات" ويميل لفظها كأهل كسروان، وما زال هناك شاهدان على هذا الكلام: الإذاعي العملاق محمّد كريّم، والدكتور عبد الفتاح الزين الإبن الروحي للدكتور دمشقيّة.. إلى هذا الحدّ كنّا نرى أن الـ L.B.C شكلت في مرحلة ما خطراً حقيقياً على "اللغة العربية" في جزء من صراعات الحرب التي كنا ندّعيها!!

آخر معاقل الحريّة الحقيقية في لبنان يعيش أياماً لا يحسد عليها، أكذب إن قلت أنه ما زال بالإمكان إيجاد فسحة عمر لحلّ الأمور، ولكن يحزننا كلبنانيين ما يحدث، لأن الـ L.B.C أعطتنا هوية لبنان الرائدة في صناعة الإعلام وبالتالي صناعة الحرية، ويحزننا أن تهزمنا المحطة في هذه الصراعات التي لا شأن لنا بها كمشاهدين، ونخاف أن يحولها الصراع والتمزق من شمس شرقت، إلى محطة "مشرق" تذكرنا ليل نهار بأننا "سوا ربينا"!!

نتمنى أن تستعيد العقول تبصرّها، وأن يجد الجميع مخرجاً من هذه الأزمة، فتستعيد القوات اللبنانية حقّها الذي لا ينكره إلا جاحد منذ كانت بروموشن الـ L.B.C الشهيرة:"مؤسسة نحو المستقبل"، وأن يحافظ بيار الضاهر على تعبه وإنجازاته فيها، وهذه أيضاً لا ينكرها إلا جاحد، فقد عبر بالمحطة إلى الأمان وحماها طوال سنين الوصاية، ونتمنّى أن لا نسمع بيانات تجرح نظرتنا لمُثُل وروّاد عندما نسمعهم يتنكرون لذواتهم، في لحظة "الترفيه" و"التتفيه" الذهبي للقضايا..

ببساطة ما زال لبنان قضيتنا، مهما بلغ حجم الخيبات، أو الصفقات، أو الصفعات، أو حتى هواجس التسويات!! وستظل الـ L.B.C وجه لبنان الحضاري وحاملة لواء ريادته الإعلامية ولا بدّ لهذا الغيم الكثيف من أن ينقشع من سمائها..

المصدر:
الشرق

خبر عاجل