#adsense

محكمة

حجم الخط

محكمة

بغض النظر عن التفاصيل الكثيرة الخاصة بآلية عملها يا إخوان، إنطلقت المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري قامعة في أولها أسئلة قلقة ماجت وراجت كثيراً في الآونة الأخيرة، أي في الفترة التي سبقت وتلت الانتخابات الرئاسية الفرنسية والأميركية، وما الى ذلك من تحوّلات إقليمية ودولية مرافقة ولاحقة.

كثيرون كانوا روّجوا لنظرية عدم قيامها، وكثيرون اليوم يروّجون لنظرية عدم وصولها الى خواتيهما المرجوة. في الحالة الأولى جاء الجواب بالأمس وسيستكمل يوم الأحد في برنامج احتفالي كبير. أما الثانية فنتيجتها لا يمكن في واقع الحال، أن تكون مختلفة وإلا لما قامت المحكمة أصلاً.

الحسابات البسيطة والواقعية البعيدة عن الضرب في الغيب والتحليل في معنى التحولات الدولية والإقليمية وتأثيراتها عليها، تفيد أن الزخم القائم حيال المحكمة ليس آنياً ولا ظرفياً. وإنه إذا كان التحول في قمة الهرم السياسي الفرنسي أولاً والأميركي ثانياً، لم يؤد حتى الى تأجيل موعد قيامها، فإن ذلك القياس نفسه يُستعار لتأكيد الفرضية القائلة أن هذه المحكمة قامت لتحاكم وليس لنتفرج عليها، وأنه لولا امتلاكها ما يكفي من حيثيات ووقائع وقرائن وأسس وأدلة لما كان "أصحابها" تعذبوا وعذّبونا معهم، ولكانت أمورها نامت في دهاليز المصالح الكبرى، التي يُحكى عنها الآن للقول أن شبهة التسوية تهدد نتائجها الأخيرة.

وواقع الحال المنطلق من الحسابات البسيطة والواقعية إياها، يفيد أيضاً، إن المحاكم الدولية الأخرى الخاصة بيوغسلافيا ورواندا وكمبوديا "عانت" كثيراً في مسيرتها، ولم نكن نعرف حجم تلك المعاناة وتفاصيلها لأننا لم نكن معنيين مباشرة بها… لكن النتائج (على الأقل) نعرفها جيداً في الحالات الثلاث رغم أنها معنية بجرائم ضد الإنسانية، فيما المحكمة الخاصة بلبنان معنية بجريمة إرهابية.

المعنى المقصود هو، أن ما يحصل في هذا الشأن، إنما يجري تحت عين الشمس، في رابعة النهار، أمام الناس مباشرة على الهواء. وفي ذلك يصبح عالم العتم بعيداً وقصياً وصعباً… ويصبح الطريق السفلي الخاص بالتفاوض الفعلي والحقيقي بحثاً عن صفقة، مليئاً بالأضواء الكاشفة، والمطبّات والمصاعب والوقائع والحقائق المعلنة والمفضوحة أمام ملايين البشر.

ما جرى ويجري وسيجري أكبر من يُغلّف بقشرة صفقة ما. وأكبر مما يتخيّل كثيرون جداً في منطقتنا عموماً وبلدنا تحديداً حيث اعتاد الناس على عدم وجود منبر على هذا المستوى يحاكم وينظر في جرائم إرهابية ـ سياسية، بل بعضنا اعتاد على عدم وجود أي شيء آخر غير "محكمة أمن الدولة" إياها… وغير اعتبار الجريمة السياسية مسألة متممة لعدة إمساك أي سلطة بسلطتها… أو إمساكها بسلطة بلد آخر، بل بالبلد الآخر من أوله الى آخره.

قيل في 14 شباط 2005، بعد أقل من نصف ساعة على ارتكاب جريمة الاغتيال أن من نفّذها، لم يعرف ماذا فعل، ولم يعرف ماذا ارتكب، ولا يعرف حجم تداعياتها، ومدى قوة الزلزال الذي أحدثته.. ربما الآن بدأ يكوّن مقومات تلك المعرفة ويلمسها لمس اليد!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل