تطويق إيران وحلفائها والحوار مع سوريا يقابلهما احتضان غربي وعربي للجيش
على خط مواز للتحرك المصري – السعودي حيال دمشق والدعم السياسي والمالي الذي تقدمه الرياض الى العراق والسلطة الفلسطينية، يأتي دعم المؤسسة العسكرية في لبنان في مقدم اهتمام دول المحور المناوىء لايران.
تسعى الدولتان العربيتان الى جذب سوريا الى جانبهما مع اعلان حرصهما الشديد على عدم عودة التدخل السوري في لبنان. لكنهما في المقابل يدركان تماما أن لا بد من مواجهة أي محاولة للعبث بأمن لبنان الذي يمكن ان يكون ساحة يتسلل اليها الاصوليون او أي عابث بالامن في المرحلة التي تسبق الانتخابات. وهما تدركان ان كلفة أي محاولة لعزل ايران والحد من تحركها في لبنان ستكون باهظة. لذا تحولت الانظار الى دعم الجيش، ليس من باب تحضيره لمواجهة انما لتمكينه من بسط سلطته وحيدا على الاراضي اللبنانية. وكذلك تدخل هذه المحاولة اطار سعي حثيث الى ابقاء المؤسسة العسكرية خارج التجاذب الداخلي، حتى لا يدفع لبنان ثمنا مكلفا للمس بهذه المؤسسة.
في المرحلة الاولى التي سبقت انتهاء عهد الرئيس اميل لحود، أدت مصر دورا جوهريا بدعمها الجيش واستقبالها قائده العماد ميشال سليمان قبل انتخابه رئيسا للجمهورية، وان كانت تفضل انتخابه من دون المرور باتفاق الدوحة.
بعد حوادث 7 ايار ، وحرب غزة والتهديدات التي اطلقت في اتجاه بعض الانظمة العربية، ظهر لهذه الانظمة ان لا بد من عزل أي حالة عسكرية او أمنية مدعومة من ايران في فلسطين ولبنان وغيرهما من الدول العربية، واعتبرت ان ما جرى في لبنان لا يمكن منع تكراره الا من خلال تعزيز سلطة الجيش، لأن تداعيات ما حصل حينه في الجبل وبيروت، استمرت تتفاعل في الاوساط العربية وخصوصا بامتداداتها المذهبية.
بدا ان ثمة قرارا مركزيا عربيا يقضي بتحقيق خرق جوهري في تسليح الجيش وتدريبه، لذا جاء الدعم السعودي لشراء طائرات "الميغ" الروسية وتأمين تجهيزاتها وتمويل التدريب وايواء الطائرات. وشكل الجواب الروسي على العرض اللبناني بعد زيارة رئيس "كتلة المستقبل" النائب سعد الحريري ثم وزير الدفاع الياس المر لموسكو ، مفترقا مهما في عدم التزام أي ضوابط لتزويد لبنان طائرات عسكرية . في حين أعلنت مصر مساعدتها للجيش في اعداد دورات تدريب وتسليح، وحفل اكثر من تقرير أمني غربي بكلام كثير على أهمية هذه البادرة الاولى من نوعها التي يقوم بها الجيش المصري حيال أي جيش عربي. وكذلك اعلان الامارات العربية تزويد الجيش عشر طوافات "بوما" وإبداء الاستعداد لمساعدات عسكرية اخرى.
وتتركز هذه المساعدات على انشاء جيش قوي وقوة مركزية مسلحة ومدعومة بكل التجهيزات المناسبة والحديثة لتأمين التوازن الحيوي لمواجهة الاخطار الداخلية.
لم تثر هذه المساعدات، ولا قبلها اعلان واشنطن تأمين دبابات اميركية للبنان عبر الاردن، ارتياحا لدى بعض الاطراف اللبنانيين. ويشير مراقبون أمنيون الى خطورة ما أعلن مرارا من رفض لحصول لبنان على طائرات " الميغ"، تلميحا او مباشرة، او حتى كلام النائب علي عمار في مجلس النواب الاسبوع الماضي حول التدريبات التي يقوم بها الجيش اللبناني وطرحه أسئلة في شأنها.
وتأتي هذه الاسئلة في وقت أعلن قيام قائد الجيش جان قهوجي بزيارة لواشنطن. فقادة الجيش جميعها كانوا اعتادوا زيارة واشنطن، الا ان الزيارة الحالية تكتسب اهمية لانه لم يمض على قهوجي سوى اشهر قليلة في وزارة الدفاع في اليرزة، وفي وقت يبرز فيه اصرار على اثارة سجال حول عقيدة الجيش، والغمز من قناة تدريبه على رغم ان الجيش لم يوقف تعاونه مع واشنطن منذ عام 1982. ويلفت مواكبون للزيارة الى انها ليست زيارة سياسية، فلا تغيير في سياسة الجيش الذي هو تحت سلطة رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء. كما يلفتون الى ان وزارة الدفاع الاميركية هي الوحيدة التي لم تشهد تغييرات جذرية في الادارة الاميركية الجديدة، ولا يزال برنامج عملها قائما، ومن ضمنه مساعدة الجيش اللبناني واللقاء مع قائده. وأهمية الزيارة تكمن في انها تضع الجيش في دائرة اهتمام واشنطن، وتضاعف من رصيده بعد النجاح الذي حققه في معركة مخيم نهر البارد، وما يمكن ان يواجه من تحديات.
في المقابل واكب المساعدات العربية تحركان داخليان الاول قام به رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط لتوجيهه جملة اسئلة حول المؤسسة العسكرية، حول ضرورة تحييدها عن أي صراع داخلي، وهي اسئلة لم تحجبها زيارته لليرزة التي حرص من جرائها على سحب أي فتيل تفجيري، تماما كما فعل بعد 7 ايار، حرصا على وضع المؤسسة والحد من انعكاس التجاذبات الداخلية عليها.
أما التحرك الثاني فقام به النائب الحريري بدءا من موسكو وصولا الى مصر التي زارها للحديث عن المساعدات قبل بدء وزير الدفاع الياس المر زيارته الرسمية لها، وإعلانه زيارة قريبة لقهوجي للقاهرة.
وتشير أوساط قريبة من الحريري واكبت تحركه الخاص بدعم الجيش الى ان ثمة " قرارا مركزيا بدعم القوى الامنية والجيش اللبناني على رغم مآخذ على الجيش الذي كان منحازا احيانا، والذي اثارت أحداث مار مخايل أسئلة حول مدى صواب تحويله ضباطا على المحاكمة، اضافة الى بعض التشكيلات لبعض الضباط الذين وضعوا في مواقع مكافأة لهم على ولاء سابق او حالي لافراد ومنظمات، ولكن نعرف ان أي تشكيلات لن ترضي كل القوى السياسية".
بعد 7 ايار بدأ الحريري ينسج علاقة مع الجيش بعدما تمكن من المحافظة على توازنه وارسائه علاقة متكافئة مع كل القوى السياسية، اثر الشعور الذي ساد سابقا بانه كان يراعي الفريق الذي اظهر قوته على الارض".
ولانه لم يكن مطلوبا ان يخوض الجيش مواجهة مع احد، يخوض الحريري بحسب أوساط قريبة منه تحدي دعم الجيش وتوسيع مروحة الدول التي تقدم لها مساعدات. اضافة الى ان ثمة تعويلا على دور رئيس الجمهورية في مجال دعم الجيش وتحييده، والحد من بعض دوائر النفوذ في المؤسسة.