"محكمة لبنان" تملك ما يكفي من القدرات لليّ أذرع القتلة
يُثار لغط كبير حول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لجهة أي فصل من ميثاق الأمم المتحدة ستعمل في ظله، وذلك بفعل وجود قلّة تقول إنها ستعمل حتما تحت الفصل السابع، وكثرة تؤكد أنها ستعمل تحت الفصل السادس، فما هي الحقيقة ؟
حملت "المستقبل" هذه الإشكالية إلى مقر المحكمة الدولية الخاصة بيوغوسلافيا سابقا في لاهاي، كما إلى خبراء قانونيين واستفسرت ،وبدت صدمة على الجميع لمجرد طرح السؤال.
وقالوا بوضوح: المحاكم الدولية، كما هي وضعية محكمة يوغوسلافيا سابقا أو المحاكم ذات الطابع الدولي، كما هي وضعية المحكمة الخاصة بلبنان، تُنشأ بموجب الفصل السابع، ولكنها لا تعمل لا بموجب الفصل السابع ولا بموجب أي فصل من فصول ميثاق الأمم المتحدة.
وأشار هؤلاء إلى أن مجلس الأمن عندما يُنشئ محكمة دولية، أو ذات طابع دولي، لا يفوّض صلاحياته إليها، بل هو يمارس صلاحياته بموجب الفصل السابع عندما يُنشئ هذا النوع من المحاكم.
وتشرح نيرما ييلاشيش، الناطقة الرسمية باسم محكمة يوغوسلافيا سابقا، انّ هذا الموضوع لم يُطرح يوما في سياق عملها، لأن مسار القرارات التمهيدية التي تتخذها أجهزة المحكمة عندما توجه تهمة إلى شخص محدد موجود في هذه الدولة أو تلك بديهي ومعروف.
وتقول هذه السيّدة البوسنية، التي تعيش في محكمة مرّ عليها 161 متهما ولا تزال أجهزتها تنتظر إلقاء القبض على إثنين متواريين عن الأنظار، إن كل قرار بالملاحقة يتم اتخاذه بحق شخص محدد يجري تعميمه عبر الطرق المعتمدة، فمذكرة التوقيف هي بطبيعتها مذكرة دولية ويفترض بكل دولة عضو في الأمم المتحدة تنفيذها، بالإضافة طبعا الى الدولة المعنية بها التي تتبلغها سفارتها أو السفارة التي ترعى مصالح رعاياها في دولة المحكمة، أي هولندا، مرفقة برسالة من رئيس المحكمة.
ييلاشيش، التي تُمضي نهاراتها في محكمة تعمل بدوامين كاملين، على اعتبار أن ثلاث غرف محاكمة تعقد جلسات في آن بمعدل جلستين يوميا لكل منها تمتدان من التاسعة صباحا حتى السابعة مساء تقطعهما استراحة لساعة ونصف ظهرا، تشير إلى أن المحكمة تملك الصلاحية الكاملة في حال تلكأت دولة معيّنة عن توقيف مطلوب منها وتسليمها إليه فإنها تعود الى مجلس الأمن وتدعوه إلى اتخاذ إجراءات ضاغطة من أجل الوصول الى هدفها، ولمجلس الأمن في هذه الحالة أن يتصرف كما يراه مناسبا، فله أن يلوّح بتطبيق الفصل السابع أو أن يفرضه على الدولة موضوع الشكوى.
وبالمقارنة بين ما تقوله المسؤولة في المحكمة الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة، وبين ما قاله مسجلّ المحكمة الخاصة بلبنان روبن فنسنت في اللقاء الإعلامي الموسع الذي أقيم أول من أمس في مقر المحكمة في لايشندام، يتضح أن التدابير هي نفسها في هذه الحالة.
ويقول إستاذ جامعي أوروبي متخصص بالقانون الجزائي الدولي، يرفض الكشف عن اسمه، إن من يهمهم أمر معرفة كيف ستطبق محكمة لبنان قراراتها فليس عليه سوى إعادة قراءة القرار 1636 الصادر عن مجلس الأمن بموجب الفصل السابع .
ويشير الى أن هذا القرار أعطى لجنة التحقيق الدولية المستقلة في تشرين الأول 2005 قدرة مراقبة الدول التي لا تتعاون معها، ومكّنها من العودة إليه كلما رأت ذلك مناسبا، بعدما طلب من جميع الدول أن تلتزم واجب التعاون مع اللجنة، وعدم السماح لمشتبه بهم سوريين بالتنقل في أراضيها "أي أنه جرى فرض إقامة جبرية على هؤلاء في سوريا".
ويقول هذا الخبير الجزائي الدولي إن هذا القرار الذي تمّ اعتماده قصدا في ديباجة القرار 1757 الذي أنشأ المحكمة الخاصة بلبنان، بالإستناد الى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، هو الذي يرسم خارطة الطريق التنفيذية لمحكمة لبنان.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة منوط تطبيقه بمجلس الأمن الذي يحتاج الى توافر تسعة أصوات على الأقل لاتخاذ أي قرار، كما أن العقوبات تتدرج من التحذيري الى الزجري ومن بينها العقوبات واستعمال القوة المسلحة.
وبهذا المعنى يؤكد الخبراء الجزائيون هنا في لاهاي أن المحاكم الجنائية الدولية الخاصة هي لمحاكمة الأفراد وملاحقتهم ولا تملك أي صلاحية زجرية على الدول، لافتين الإنتباه الى أن رؤساء الدول في هذه الحالة هم أفراد وليسوا أنظمة.
وفي مقر محكمة يوغوسلافيا السابقة التي عليها أن تنهي أعمالها في مرحلة قريبة لا تتخطى ثلاث سنوات، تكثر الأسئلة التي تهدف إلى إجراء مقارنة بينها وبين محكمة لبنان.