المحكمة من لبنان إلى الجوار
لا يُخفى على احد ان احد سببي التوتير الأمني المتصاعد منهجياً في هذه الايام، اضافة الى اقتراب موعد الانتخابات النيابية، هو انطلاق أعمال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والتي تشكل سابقة في منطقة الشرق الاوسط لناحية تشكيلها خصيصا من اجل محاكمة مرتكبي الجرائم والاغتيالات السياسية في لبنان.
لقد شهدت مسيرة المحكمة مخاضاً عسيراً على مختلف الأصعدة، ولا سيما على صعيد استمرار القتل السياسي الذي مورس من أجل عرقلة التحقيق، ومنع اقرار المجتمع الدولي للمحكمة. ومن نافل القول ان جانباً كبيراً من الأزمة السياسية التي افتعلت في السنوات الثلاث الأخيرة، وخصوصاً لجهة تعطيل الحياة السياسية والمؤسسات الدستورية، واقفال مجلس النواب في سابقة عالمية، يعود الى محاولة حلفاء سوريا في لبنان التصدي لنشوء المحكمة، واستمرار التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وبقية الشهداء الذين جرى ضم ملفاتهم الى الملف الأول. وللتذكير فقد اغتيل جبران تويني في 12 كانون الاول 2005 قبل ساعات من صدور التقرير الأخير عن رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس وكان اوضح نص يلمّح الى مسؤولية النظام السوري عن الجرائم. وكان لإيراد اسماء مسؤولين امنيين سوريين جرى حذفها في ما بعد دلالة كبيرة داخل أروقة مجلس الأمن الذي ناقش التقرير المشار اليه… وفي ذلك اليوم، وفي خضم طرح موضوع مطالبة لبنان بإنشاء المحكمة الدولية كانت المحاولة الأولى للعرقلة باعتكاف وزراء الثنائي الشيعي ومقاطعتهم الحكومة لأكثر من ثلاثة اسابيع. ثم استؤنف الهجوم في 21 تشرين الثاني 2006 على إثر اغتيال بيار الجميل من أجل منع موافقة الحكومة اللبنانية على إنشاء المحكمة وتوقيع البروتوكول الخاص بها. وكانت الأزمة الأكبر بمحاولة نسف الحكومة، ثم اقفال رئيس مجلس النواب للبرلمان بـ"البلطجة" أكثر من ستة عشر شهراً، ومنع انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ناهيك باحتلال وسط بيروت تحضيراً للانقلاب الذي نفذ في السابع من أيار 2008.
كل هذه الحوادث التي تخللها سقوط شهداء استقلاليين ارتبطت بمسار التحقيق الدولي والمحكمة الدولية. واذا كان معلوما حجم مسؤولية النظام السوري في كل ما جرى اساساً، فما يعصى على الفهم والتفهم، هو وقوف اطراف لبنانيين بجانب الظلم والظالمين، والازدراء الذي ووجهت به دماء الاستقلاليين من بعض أبناء الوطن الواحد… مما يلقي ظلالاً كثيفة على مستقبل العيش الواحد في لبنان.
واليوم تنطلق المحكمة الدولية وأمامها مسار قضائي طويل، ولكن الأهم هو انها باتت موجودة، وان عبورها كل المرحلة السابقة من دون ان ينحرف مسارها يوحي جديتها، الأمر الذي يفترض ان يزيد قلق الأطراف الاقليميين والمحليين المتورطين في الاغتيالات. مما يطرح مسألة الاستقرار من جديد.
والسؤال: كيف ستجري محاربة المحكمة؟ وأين؟ في لبنان؟
في مطلق الأحوال، نقول ان المحكمة التي تعمدت بدماء شهداء كبار هي بارقة أمل في ظلمات شرقنا العربي. والأمل هنا لا يقتصر على اللبنانيين وحدهم، بل ينبغي ان يشمل الشعب السوري المظلوم، فيسابق اللبنانيين تهليلا لقيام هذه المحكمة الدولية… في لاهاي